الثاني، أن المراد بها شهادة الحسبة وهي التي لا تتعلق بحق من حقوق الأدميين المختصة بهم، ويدخل في الحسبة ما يتعلق بحق الله تعالى أو ما فيه شائبة، كالصلاة، والوقف والوصية العامة وغيرها.
ويكون المراد بحديث عمران ما يخص الأدميين من حقوق. وقد تقدم هذا الوجه وهو قول الفخر الرازي في المحصول(١١٨).
الثالث أن المراد بقوله ((أن يأتي بالشهادة قبل أن يسألها)) المبالغة بالإجابة فيكون لقوة استعداده كالذي يأتي بها قبل أن يسألها. كما يقال في حق الجواد الكريم أنه يعطي قبل الطلب.
وهذه الأجوبة مبنية على أن الشهادة لا تؤدى قبل أن يطلبها صاحب الحق، ومنهم من أجاز ذلك عملاً برواية زيد، وتأول حديث عمران بأخذ التأويلات الآتية.
أولاً، أنه محمول على شهادة الزور، وهم الذين يؤدون الشهادة ولم يسبق لهم بها علم.
الثاني، المراد اتيانه بالشهادة بلفظ الحلف، نحو أشهد بالله ما كان كذا إلا كذا.
ثالثاً، المراد به الشهادة على ما لا يعلم ما سيكون من الأمور المستقبلة فيشهد على قوم بأنهم من أهل الجنة من غير دليل كما يصنع ذلك بعض أهل الأهواء(١١٩).
مثال ثان قوله تعالى ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾(١٢٠) وقوله تعالى ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾(١٢١) فالآية الأولى مقتضاها أن كل امرأة توفي عنها زوجها لا تنقضي عدتها إلا بعد أربعة أشهر وعشراً سواء كانت حاملاً أم غير حامل، والآية الثانية مقتضاها أن كل امرأة ذات حمل تنقضي عدتها بوضع الحمل سواء كان متوفى عنها زوجها أم مطلقة وقد جمع بينهما بحمل كل منهما على بعض الأفراد. دون البعض الآخر عملاً بالدليلين فحملت الآية الأولى على المتوفي زوجها غير
(١١٨) المحصول ج ١ ق ٥٤٤/٢.
(١١٩) سبل السلام باب الشهادات ج ٢٥٣/٤ و/ ٢٥٤.
(١٢٠) البقرة (٢٣٤).
(١٢١) الطلاق (٦٥).