متضادين فمن كان عنده شيء من ذلك فليأتني لأؤلف بينهما)). وكان أحسن الناس كلاماً في ذلك(١٠٣).
أما ابن القيم(١٠٤) رحمه الله تعالى فيقول ((إن نصوص رسول الله ﷺ كلها حق يصدق بعضها بعضاً ولا يترك له نص إلا بنص آخر ناسخ له))(١٠٥). وقال في زاد المعاد ((وسننه الثابتة كلها حق يجب اتباعها ولا يضرب بعضها ببعض بل يستعمل كل منها على وجهه))(١٠٦).
وبعد هذه النصوص الكثيرة الواضحة التي تدل دلالة بينة على أنه لا تعارض حقيقياً بين النصوص. وإنما هو تعارض بحسب الظاهر ليس إلا. فلا يجوز بعد هذا أن نلغي أيا من الدليلين المتعارضين بل الواجب اعمالهما لأن الأصل في كل منهما الاعمال.
وإنما يسوغ لنا إهمال أحدهما في حالة ما إذا كان هذا التعارض حقيقياً ويكون ذلك بنسخ أحدهما بالآخر وقد جزمنا أنه لا تعارض في حقيقة الأمر وإنما التعارض في الظاهر فقط ولذلك قضينا باعمال الدليلين المتعارضين ومن هنا ترجح منهج الجمهور على غيره. والله أعلم.
فإذا تقرر أن الجمع والتوفيق بين الأدلة المتعارضة هو الطريق لاعمال الدليلين المتعارضين، وأنه موافق لروح القاعدة الكلية ولمبدأ اعمال الكلام ما أمكن بقي علينا بعد ذلك أن نذكر وجوه الجمع التي ذكرها الأصوليون ليكون ذلك تطبيقاً عملياً لمبدأ اعمال الكلام.
وجوه الجمع بين الأدلة المتعارضة
هذا ووجوه الجمع التي ذكرها الأصوليون ستة وجوه لأن الجمع بين الدليلين تارة يكون بالتنويع، وتارة بالتخصيص، وتارة بالتقييد، وتارة باختلاف الحال، وتارة باختلاف الحكم، وتارة بتوزيع الحكم.
١ - الجمع بالتنويع والتبعيض
وذلك يكون بين العامين المتعارضين فالجمع بينهما بأن يخص أحد العامين بالبعض،
(١٠٣) شرح الكوكب السابق نفس الصفحة.
(١٠٤) مرت ترجمته في ص ١٧٢.
(١٠٥) إعلام الموقعين ٣٦٧/١.
(١٠٦) زاد المعاد لابن قيم الجوزية ج ١٧٩/٤ دار الفكر.