صفة الدليل والحجية. ولهذا قدم الإمام أبو حنيفة حديث ((استنزهوا من البول))(٩٦) على ما ورد من شرب العرنيين(٩٧) أبوال الابل لمرجح التحريم، مع إمكان حمل العام على ما لا يؤكل أو في غير حالة التداوي.
أما تقديم النسخ فلا خلاف ان المجتهد إذا قطع بتاريخ أحد المتعارضين حكم بنسخ أحدهما بالآخر، وما نحن فيه هو إذا تحققت المعارضة ولم يقطع المجتهد بتأخر أحد الدليلين عن الآخر. فلم يبق أمامه سوى الجمع أو الترجيح. لكن أيهما يقدم؟ فالحنفية يقدمون الترجيح على الجمع أما إذا تعذر الترجيح فيلجأ الحنفية إلى الجمع إعمالاً للدليلين لأنه أولى من القول بالتساقط لأن في التساقط إهمالاً للدليلين، وإعمال الدليلين بالجمع بينهما أولى من اهمالهما، أما إذا تعذر الجمع بينهما فقالوا بالتساقط. وعلى المجتهد أن يبحث عن دليل آخر غيرهما.
فالحنفية يراعون مبدأ إعمال الكلام في صورة واحدة من الصور الأربع وهي تقديم الجمع على التساقط إعمالاً للدليلين، لأن التساقط إهمال لكلا الدليلين المتعارضين واعمال الكلام بتقديم الجمع أولى من إهماله بتقديم التساقط.
أما مذهب الجمهور فهو أكثر مراعاة لمبدأ إعمال الكلام وعدم إهماله لأنهم يقدمون الجمع بين الأدلة على الترجيح والنسخ. والتساقط، ويقدمون الترجيح والنسخ على التساقط وهذا هو الترتيب السليم المؤدي إلى تحقيق مناط القاعدة الكلية وذلك لأن الجمع بين الدليلين المتعارضين يقتضي العمل بالدليلين وعدم إهمال أحدهما بالترجيح، أو النسخ وكذا تقديمهم الترجيح والنسخ، على التساقط، لأن الترجيح والنسخ كل واحد منهما فيه أعمال لأحد الدليلين وإهمال للآخر كما هو واضح. وأما التساقط ففيه اهمال لكلا الدليلين المتعارضين وهذا لا يخفي ما فيه من مراعاة اعمال الكلام وعدم أهماله. وذلك لأن اعمال أحد الدليلين المتعارضين بالترجيح أو النسخ أولى من اهمالهما معاً بالتساقط. وإذا تأملت هذا الترتيب اتضح لك المقصود.
(٩٦) أخرجه مسلم بمعناه وابن ماجه أيضاً وكلاهما في الطهارة انظر صحيح مسلم كتاب الطهارة باب/٣٤ حديث/١١١ ج ٢٤١/١ وسنن ابن ماجه الطهارة باب ٢٦ حديث ٣٤٧، ج ١ ص ١٢٥.
(٩٧) هذا حديث طويل أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك، انظر صحيح البخاري كتاب الجهاد باب/١٥٢ ج ٤ ص ٢٢.