مفهومه دلالة أصلية، فإذا عملنا بكل واحد منهما بوجه دون وجه فقد تركنا العمل بالدلالة التبعية، وإذا عملنا بأحدهما دون الثاني فقد تركنا العمل بالدلالة الأصلية، ولا شك أن الأول أولى، فثبت أن العمل بكل واحد منهما من وجه دون وجه أولى من العمل بأحدهما من كل وجه دون الثاني(٨٤). وهذه القاعدة متفرعة على القاعدة الكلية الا أنها أخص منها فالقاعدة الكلية في إعمال الكلام. وهذه في إعمال الأدلة الشرعية وعدم إهمالها وهي قاعدة مشهورة عند العلماء كشهرة القاعدة الأم. يقول الشيخ محمد رضا المظفر ((اشتهر عندهم أن الجمع بين المتعارضين أولى من الطرح وقد نقل عن غوالي اللآلي دعوى الاجماع على هذه القاعدة(٨٥) وهي ضرورية جداً لدفع التعارض الواقع بين النصوص الشرعية، لئلا يؤدي هذا التعارض إلى الغاء أحد الدليلين المتعارضين، بالنسخ، أو الترجيح، أو التساقط وهناك طرق أخرى ذكرها الأصوليون لدفع التعارض الواقع بين الأدلة الشرعية وهذه الطرق أربعة ذكرها الأصوليون في منهجين المنهج الأول للحنفية ومعهم الحنابلة ، والمنهج الثاني للجمهور من الشافعية والمالكية والظاهرية ، وعبد العزيز البخاري(٨٦)، واللكنوي(٨٧) من الحنفية.
١ - منهج الحنفية والحنابلة في دفع التعارض
ومنهج الحنفية والحنابلة فيما إذا تعارض دليلان شرعيان وكانا متكافئين فعلى المجتهد أن يسلك هذه الطرق الأربعة على هذا الترتيب(٨٨).
أ - الطريق الأول هو النسخ وذلك بعد أن يعلم المجتهد تاريخ ورود النصين المتعارضين فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم بشرط أن يكونا متساويين في القوة كآيتين أو آية وسنة متواترة أو مشهورة.
ب - الطريق الثاني، الترجيح وذلك إذا لم يعلم المجتهد تاريخ النصين المتعارضين
(٨٤) المحصول للرازي ج ١ ق ٥٤٢/٢.
(٨٥) أصول الفقه للشيخ محمد رضا المظفر ٢٢٧/٣.
(٨٦) مرت ترجمته في ص ٣٥١ .
(٨٧) هو أبو الحسنات محمد بن عبد الحي اللكنوي الهندي ولد سنة ١٢٦٤ هـ وتوفي سنة ١٣٠٤ من أجل علماء الحنفية في الهند وله مصنفات غزيرة تدل على سعة علمه انظر ترجمته في الفتح المبين المراغي ج ١٥٨/٣ الطبعة الثانية.
(٨٨) مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت، ١٨٩/٢ ط أولى ((التقرير والتحبير)) ٣/٣ الطبعة الأولى، التلويح على التوضيح ١٠٣/٢، وروضة الناظر ٤٥٧/٢، والعدة لأبي يعلى ج ٣ ص ١٠١٩ تحقيق الدكتور أحمد سير المباركي وأصول الخضري /٣٩٤ الطبعة الأولى، والوسيط في أصول الفقه للزحيلي ص ٧١٨ وما بعدها.