ما تقدم من المسائل الستة هو الموضع الأول. من مواضع الترجيح وهو تقديم ما كان طريقاً لأعمال الكلام على ما كان طريقاً لإهماله.
الموضع الثاني من مواضع الترجيح
وهو تقديم ما كان طريقاً لأعمال بعض الكلام على ما كان طريقاً لإلغائه كله. مثاله تقديم التخصيص(٤٥) والاستثناء(٤٦) والتقييد(٤٧) على النسخ. لأن النسخ يحتاط فيه أكثر لكون اللفظ يصير به باطلاً بالكلية.
أما التخصيص ففيه أعمال للعام بعد التخصيص. مثاله إذا قال الشارع ﴿اقتلوا المشركين﴾(٤٨) ثم خص منهم الذميين والمستأمنين والمعاهدين. بقي الحكم في السائر وهم الحربيون، والمرتدون. وكل من نقض العهد. ولا شك أن إعمال البعض أولى من إلغاء الكل.
مثال آخر، هو ما روى عن أبي الدرداء، وعبادة بن الصامت في قوله تعالى ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌ لكم﴾(٤٩) أنه ناسخ لقوله تعالى ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾(٥٠) فإن كان المراد أنّ طعام أهل الكتاب حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه فهو تخصيص للعموم. وإن كان المراد أن طعامهم حلال بشرط التسمية فهو أيضاً من باب التخصيص لكنَّ آية الأنعام هي آية العموم المخصوص في الوجه الأول. وفي الوجه الثاني بالعكس(٥١).
توضيح المثال، هو أن الله سبحانه وتعالى لما قال ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ أفاد تحريم ذبائح جميع الكفار الذين لم يذكروا اسم الله على الذبيحة سواء من أهل الكتاب كانوا أم من غيرهم. فجاءت الآية الثانية وخصصت أهل الكتاب من عموم الآية السابقة. فعلى هذا الوجه آية الأنعام هي التي دخل عمومها التخصيص.
(٤٥) التخصيص، مر تعريفه، في ص ٣٦١.
(٤٦) الاستثناء مر تعريفه في ص ٤٠١.
(٤٧) التقييد مر تعريفه في ص ٤٠١.
(٤٨) التوبة وتمام الآية ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ رقم الآية (٥).
(٤٩) المائدة (٥).
(٥٠) الأنعام (١٢١).
(٥١) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب القيسي ص ٢٢٤ والموافقات للشاطبي ج ١١٣/٣.