وأيضاً فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومن هذه الحيثية يكون ما ذكره الفتوحي رحمه الله مقبولاً والله أعلم(٢٧).
المسألة الثانية تقديم المشترك على النسخ
فإذا تعارض الاشتراك مع النسخ فالاشتراك أولى وذلك لأن الاشتراك لا إلغاء فيه بل غايته التوقف إلى القرينة عند من لا يحمله على معانيه. بخلاف النسخ فإنه يبطل الحكم السابق ويلغيه بالكلية ولا شك أن إعمال الكلام بترجيح المشترك أولى من إهماله بترجيح النسخ عليه مثاله ما ذكره ابن السبكي في الإبهاج حيث قال: التَّبِيتُ شرط في صحة صوم رمضان خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله تعالى. وساعدنا عليه القضاء والنذر فإن التبييت فيهما شرط بالاتفاق. فنقيس محل النزاع على محل الوفاق. فإن عارض بما روى أنه عليه السلام قدم المدينة يوم عاشوراء فرأى اليهود صائمين فسأل عليه السلام عن صومهم ويومهم فقيل هذا يوم أنجى الله فيه موسى وأهلك فرعون عدوه. وكان موسى عليه السلام يصومه شكراً ونحن نصومه اتباعاً فقال عليه السلام نحن أحق بموسى منهم، ثم أمر بالصوم في أثناء النهار(٢٨) ومن المعلوم أن الصوم في النهار لا يكون إلا بنية من النهار.
قلنا لا نسلم وجوب ذلك اليوم. فإن قيل ظاهر الأمر الوجوب كان لمن يعتقد أن الأمر مشترك بين الوجوب والندب أن يقول كما هو حقيقة في الوجوب فكذلك في الندب. وإذا كان حقيقة فيهما فلا يحمل على الوجوب إلا بقرينة زائدة. قال في الإبهاج ((وعندنا صوم النفل يصح بنية من النهار. فإن قيل الاشتراك خلاف الأصل قلنا لو لم يكن مشتركاً لزم النسخ وإن صوم يوم عاشوراء غير ثابت والاشتراك خير من النسخ(٢٩).
المسألة الثالثة تقديم المجاز على النفل
فإذا تعارض المجاز مع النفل قدم المجاز لأن النفل يستلزم نسخ المنقول عنه الأول مثاله
(٢٧) الفتوحي مثل بهذه الآية على أنها عامة تشمل كل المحرمات ولم ينسخ هذه الآية بالأخبار التي تفيد تحريم أكل كل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير، وجمع بين هذه الآية وما يعارضها من أخبار الآحاد والتأويل، لأن البقاء عنده أولى من النسخ وفي هذه المسألة خلاف كبير بين الأئمة ليس هنا محل تفصيله وما ذكرته هنا هو ملخص أقوالهم في هذه المسألة.
(٢٨) الحديث أخرجه البخاري بنحو هذا اللفظ في كتاب الصيام باب/٦٩ ج ٢٥١/٢ وأخرجه مسلم بلفظه ١٣ كتاب الصيام ١٩ باب/١٢٧ ج ٧٩٥/٢.
(٢٩) الإبهاج شرح المنهاج ٣٣٦/١ وشعبان محمد إسماعيل مطبعة الفجالة بمصر.