عليه السلام عن أكل كل ذى ناب من السباع أو مخلب من الطير(٢٢).
فبعض العلماء يقول هذا ناسخ للإباحة، وبعضهم يقول ليس بناسخ والأكل مصدر مضاف إلى مفعوله وهو الأصل في اضافة المصدر كما نص عليه النحاة فيكون مثل قوله تعالى ﴿وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾(٢٣) فيكون حكمهما واحداً (٢٤) وإذا لم يراع هذا التأويل فيقال: إن الجمهور لا يجيز أكل كُلِّ ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير وخالف في ذلك مالك، لأنه نزّل مذهبه على هذه الآية لأنها ليست منسوخة لكونها آخر ما نزل من القرآن، والجمهور نزل الآية على سبب النزول، وتعلقوا بخبر الأحاد وهو نهيه لا عن أكل كل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير، والذي اعتمده الشافعي في الكلام على الآية تنزيلها على سبب النزول. يدل عليه ما قبل الآية التي فيها الكلام وما بعدها وذلك أنه قال زعمت اليهود أن الشحوم محرمة وذكر تفاصيلهم في البحيرة، والسائبة ، ونسبوا إلى النبي عليه السلام أنه يغير حكم الله تعالى من تلقاء نفسه. وأباح طوائف من الكفار الميتة وجادلوا المسلمين فيها وكانوا يقولون: تستحلون ما تقتلون ولا تستحلون ما يقتله الله. وأباح آخرون الخنزير والدم فأنزل الله تعالى أنه لم يحرم إلا ما أحلوه. وأنهم مراغمون لما أنزل الله وتجري هذه الآية على مذهب من يقول لمن يخاطبه لا تأكل اليوم حلاوى؟ فيقول المجيب: لم آكل اليوم إلا الحلاوى. وأيضاً فمذهب مالك مسبوق بالإجماع فإننا لا نشك في اجتناب الصحابة رضي الله عنهم أكل الحشرات واعتقادهم فيها أنها بمثابة المحرمات وكذلك الخمر محرمة وليس لها ذكر في هذه الآية ونزولها مسبوق بتحريم الخمر فإذاً ظاهر الآية متروك بالإجماع(٢٥). فعلى هذا المسلك لا تكون الآية شاملة لكل المحرمات بل لبعضها لأنها واردة على سبب خاص وهو سبب النزول. ولكنَّ اعتبار الآية عامة وليست خاصة أولى لما نص عليه الأصوليون في بابه(٢٦).
(٢٢) الحديث: رواه البخاري في كتاب الطب: ٧٦/باب /٥٧ ج ٧ ص ٣٣ ورواه مسلم بهذا اللفظ عن ابن عباس كتاب الصيد والذبائح/٣٤ باب ٣ حديث/١٦ ج ٣ ص ١٥٣٤.
(٢٣) الأنعام (١٤٥).
(٢٤) شرح الكوكب المنير ج ٢٩٨/١ تحقيق الزحيلي.
(٢٥) باختصار وتصرف من البرهان لإمام الحرمين ج ١١٨٨/٢، طبعة قطر.
(٢٦) انظر ارشاد الفحول ص ٢٧٨ وفيه أنه يقدم العام الذي لم يرد على سبب على العام الوارد على سبب. وهذه المسألة لم يوجد فيها عمومان. إلا أنه وجد قولان لعموم واحد أحدهما مجمله على سبب خاص والآخر یعممه، وهو أولی والله أعلم.