المعتبرة عند الحنفية - فيما ورد من السنة زائداً على القرآن فليس لهم معذرة بذلك، وقد عملوا بما هو دونها بمراحل كحديث نقض الوضوء بالقهقهة، وحديث جواز الوضوء بالنبيذ، وهما زيادة على ما في القرآن، وليست هذه الزيادة مما يخرج بها المزيد عليه عن أن يكون مجزئاً حتى تتجه دعوى النسخ(٢٧) وبسبب عملهم بأخبار الآحاد الزائدة على النص فقد ألزمهم الفخر الرازي الحجة بكون الوضوء بالنبيذ ناسخاً لقوله تعالى ﴿ فلم تجدوا ماء فتيمموا ﴾(١٨) ولا يقولون به فكان يلزمهم أن يقولوا به(٢٩).
الترجيح
بعد سرد مذاهب العلماء مع أدلة كل فريق يظهر لي أن الراجح في هذه المسألة والله أعلم صحة ما ذهب إليه الجمهور من أن التغريب من الحد لعدة أسباب منها كثرة الأحاديث الواردة في اثباته، ومن أهمها حديث العسيف حيث قد ثبت أنه بعد آية النور كما اتضح من تعقيب الحافظ ابن حجر رحمه الله هذا من المنقول، أما من المعقول فهو أن ردًّ هذه الأحاديث الغاء لها وعدم استعمالها في مدلولاتها، ولا جرم أن اعمال الدليل أولى من اهماله. للقاعدة الكلية القاضية بذلك.
المثال الثاني، فإن ترتيب الأعضاء في الوضوء فرض لقوله ((ﷺ)) ابدأوا بما بدأ الله به))(٣٠) الشامل للوضوء بعموم لفظه ولأنه من دوام فعله ﷺ. فإنه لم يتوضأ إلا مرتباً، ويدعم هذا القول ما ذكره الفقهاء من أن الله تعالى ذكر ممسوحاً بين مغسولات وتفريق المتجانس لا ترتكبه العرب إلا لفائدة وهي هنا وجوب الترتيب لا نَذْبُه بقرينة الأمر ولأن العرب إذا ذكرت متعاطفات بدأت بالأقرب، فلما ذكر الوجه ثم اليدين، ثم الرأس، ثم الرجلين دلت على الأمر بالترتيب وإلا لقال فاغسلوا وجوهكم، وامسحوا برؤوسكم، واغسلوا أيديكم وأرجلكم(٣١).
وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه، إلى أنّ الترتيب سنة من سنن الوضوء
(٢٧) نيل الأوطار ج ٢٥٢/٧ دار الجيل.
(٢٨) المائدة (٦).
(٢٩) المحصول للرازي ج ١ ق ٣ ص ٥٥١.
(٣٠) رواه النسائي في كتاب مناسك الحج باب/١٦٨ ج ٥ ص ٢٣٦ وص ٢٣٩ والدارقطني عن جابر رضي الله عنه انظر السنن للدارقطني ج ٢ ص ٢٥٤ دار المحاسن للطباعة.
(٣١) الأم للشافعي ٣٥/١ المغني لابن قدامة ١٣٧/٤١٣٦/١.