موجب الاستصحاب والمفهوم، الا أن يكون الخطاب الأول قد نفى الوجوب ثم الخطاب إذا دل على عدم الإيجاب، وعدم التحريم فهو مثل النصوص الواردة في الخمر قبل التحريم هل هو نسخ؟ فيه خلاف فقيل هو نسخ والأشبه أنه ليس بنسخ، لأنه لم ينف الحرج، ولم يؤذن في الفعل وإذا سكت عن التحريم أقروا على الفعل إلى حين النسخ... فلو فعل المسلمون شيئاً فلم ينهوا عنه ثم نهوا عنه لم يكن هذا نسخاً(١٠) لأن رفع الاستصحاب ليس نسخاً.
ب - دليل الحنفية، واستدل الحنفية على مذهبهم بأن النسخ بيان انتهاء حكم وهذا المعنى موجود في الزيادة على النص فيكون نسخاً، وبيان ذلك أن الإطلاق معنى مقصود من الكلام وله حكم معلوم وهو الخروج عن العهدة بالإتيان بما يطلق عليه الاسم من غير نظر إلى قيد، والتقييد معنى آخر مقصود على مضادة المعنى الأول لأن التقييد إثبات القيد، والإطلاق رفعه وله حكم معلوم وهو الخروج عن العهدة بمباشرة ما وجد فيه القيد دون ما لم يوجد فيه ذلك، فإذا صار المطلق مقيداً، فلا بد من انتهاء حكم الإطلاق بثبوت حكم التقييد لعدم إمكان الجمع بينهما للتنافي فالأول يستلزم الجواز بدون القيد، والثاني يستلزم عدم الجواز بدونه وإذا انتهى الحكم الأول بالثاني، كان الثاني ناسخاً للأول ضرورة(١١) وقد أشرت إلى هذا عند كلامي على حمل المطلق على المقيد، وهل هو بيان أو نسخ، وبينت أن الراجح هو من باب البيان لا النسخ ويمكن أن يجاب عما استدل به الحنفية بوجهين.
الوجه الأول، أنهم أطلقوا النسخ على التقييد، والتقييد ليس نسخاً على ما تقرر في محله من هذه الرسالة(١٢). وفارق النسخ هو أن النسخ رفع وإلغاء للحكم الأول كلياً، وإحلال الحكم الثاني محله، أما الزيادة على النص فليس فيها إلغاء للحكم الأول بل فيها توكيد للأول، وزيادة عليه، وثمرة الفرق تظهر في هذا المثال وهو قوله تعالى ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾(١٣) مع قوله ﷺ «جلد مائة وتغريب عام»(١٤) فلو كانت زيادة التغريب نسخاً للحكم الأول الثابت في الآية السابقة لأجزاء الإتيان بها فقط، ولم يقل أحد بهذا بل لا بد من الجلد ثم التغريب، فلم يوجد بين الزيادة والمزيد عليه، نسخ ورفع حكم شرعي وإنما وجد رفع الاستصحاب الحكم الأول. وهذا ليس نسخاً، بالاتفاق.
(١٠) المسودة لآل تيمية ص ٢١٠ و/٢١١ شارع دار الكتاب العربي.
(١١) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ج ٣/١٩٣ دار الكتاب العربي.
(١٢) راجع أثر القاعدة في الناسخ والمنسوخ.
(١٣) النور (٢).
(١٤) مر تخريجه آنفاً.