المثال الأول، ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾(٨٥) أنه ناسخ لقوله تعالى ﴿من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها﴾(٨٦) والمتأخرون يرون أن هذا تقييد لمطلق وليس من النسخ في شيء إذا كان قوله تعالى ﴿نؤته منها﴾ مطلقاً ومعناه مقيد بالمشيئة والإرادة في قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿ما نشاء لمن نريد﴾(٨٧) وإلا فهو إخبار والإخبار لا يدخلها النسخ.
المثال الثاني قوله تعالى ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾(٨٨) إلى قوله ﴿وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾(٨٩). هو منسوخ بقوله تعالى ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً﴾(٩٠) قال مكي رحمه الله (٩١) وقد ذكر عن ابن عباس في أشياء كثيرة في القرآن فيها حرف الاستثناء أنه قال ((منسوخ)) قال وهو مجاز لا حقيقة لأن المستثنى مرتبط بالمستثنى منه بينه حرف الاستثناء وإنه في بعض الأعيان الذين عمهم اللفظ الأول، والناسخ منفصل عن المنسوخ رافع لحكمه وهو بغير حرف هذا ما قال. ومعنى ذلك أنه تخصيص للعموم الذي قبله ولكنه أطلق عليه لفظ النسخ إذ لم يعتبر فيه الاصطلاح الخاص(٩٢).
وقال في قوله تعالى ﴿لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾(٩٣) إنه منسوخ بقوله تعالى ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة﴾(٩٤) الآية. وليس من الناسخ والمنسوخ في شيء عند المتأخرين بل أن الآية الأولى خاصة بالمسكونة لأن قوله تعالى ﴿حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ يقتضي ذلك. وقوله في الآية الثانية ﴿غير مسكونة﴾ يقتضيه أيضاً إذاً فالآية الأولى خاصة في البيوت المسكونة (٩٥).
(٨٥) الإسراء (١٨).
(٨٦) الشورى (٢٠).
(٨٧) انظر فتح القدير للشوكاني ٢١٦/٣ دار الفكر، والموافقات للشاطبي ١٠٩/٣ دار المعرفة.
(٨٨) الشعراء (٢٢٤).
(٨٩) الشعراء (٢٢٦).
(٩٠) الشعراء (٢٢٧).
(٩١) مرت ترجمته في ص ٣١٧.
(٩٢) الموافقات للشاطبي ج ١١٠/٣، دار المعرفة.
(٩٣) النور (٢٧).
(٩٤) النور (٢٩).
(٩٥) انظر الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه تحقيق الدكتور أحمد فرحات ص ٣١٨ والموافقات ج:١١٠/٣ وكتاب النسخ للدكتور مصطفى زيد/٦١١.