ثالثاً، لا يجوز بحال القول بالنسخ جزافاً وخصوصاً في الأحكام الثابتة على المكلف لأن ادعاء النسخ فيها الغاء لها، وهذا لا يكون الا بأمر محقق لأن ثبوتها على المكلف محقق فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بأمر معلوم محقق ولذلك أجمع المحققون على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ولا الخبر المتواتر لئلا يؤدي الى رفع المقطوع بالمظنون، ولا يدعي النسخ الا اذا تعذر الجمع بين الدليلين وعلم السابق من اللاحق(٨٠). فإن أمكن الجمع بين الدليلين تعين الجمع لأن اعمال الدليلين ولو من وجه اولى من الغاء أحدهما بالكلية كما نص عليه الأصوليون.
ولذلك فإن كل حكم شرعي تحققت في أدلته المعارضة فتنازعه قولان أحدهما يقضي بنسخه والثاني لا ينسخه وانما يدفع هذه المعارضة بالجمع بينه وبين معارضه بأحد أنواع الجمع من كون الثاني بياناً لمجمل أو تخصيصاً لعموم، أو تقييداً لمطلق وما أشبه ذلك من وجوه الجمع المعتبرة لا نقول بنسخه بل نعمل الدليلين بطريقة الجمع لأن القول بنسخه الغاء له والقول بالجمع اعمال له، واعمال الكلام أولى من اهماله. قال الشاطبي وقد اسقط ابن العربي من الناسخ والمنسوخ كثيراً بهذه الطريقة(٨١).
رابعاً، من الملاحظ من حركة التطور والتجديد في مفهوم النسخ عما كان عليه عند السلف أنها تركت أثراً واضحاً للقاعدة الكلية لأن المقصود من اعمال الكلام في هذ المسألة هو اعمال الآيات التي اعتبرت منسوخة في المفهوم العام للنسخ بينما هي محكمة اعتباراً بالمفهوم الاصطلاحي الخاص فلا شك أن اعمال الآية أولى من الغائها لما في اعمالها من شرف التكليف وأما القول بأن النسخ أولى لما فيه من نعمة التخفيف فهذا يصدق على ما جاء النسخ فيه حقيقة لأن الله علم أن الحكمة في نسخه وقد يكون ذلك تخفيفاً على عباده ونحو ذلك وأما ما يدُعي فيه الناس النسخ ظناً منهم أنه منسوخ والحقيقة أنه محكم فهذا القسم لا حكمة فيه ولا نعمة بل فيه عصيان أمر الله سبحانه وتعالى وخروج على أحكام الدين وتحلل منها وبخاصة اذا كان الادعاء اتباعاً للهوى وتعطيلًا لأحكام الدين بالتشهي. وقد فعل اليهود والنصارى ذلك في كتبهم فأحلوا حرامها وحرموا حلالها بادعاء النسخ فيها حتى ألغوا ما جاء بها من شرع الله سبحانه وتعالى(٨٢).
(٨٠) باختصار من الموافقات للشاطبي ج ١٠٥/٣.
(٨١) الموافقات السابق جـ ١٠٦/٣ دار المعرفة للطباعة والنشر.
(٨٢) قد يقال إن اليهود أنكروا النسخ فكيف يقولون به؟ والجواب أن كثيراً من فرق اليهود أثبتوا النسخ، ولكن =.