في شيء من القرآن والسنة أنه منسوخ إلا بيقين لأن الله عز وجل يقول ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾(٩) وقال تعالى ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾(١٠) فكل ما أنزل الله في القرآن ففرض اتباعه. فمن قال في شيء من ذلك إنه منسوخ فقد أوجب أن لا يطاع في ذلك الأمر. وأسقط لزوم اتباعه. إلا أن يقوم برهان على صحة قوله. ومن استجاز خلاف ما قلنا فقوله يؤول إلى إبطال الشريعة كلها. لأنه لا فرق بين دعوى النسخ في آية أخرى وحديث آخر فعلى هذا لا يصح شيء من القرآن والسنة وهذا خروج عن الإسلام وكل ما ثبت بيقين فلا يبطل بالظنون.
ولا يجوز أن تسقط طاعة أمر أمرنا به الله تعالى ورسوله ﷺ إلا بيقين نسخ لا شك فيه. فإذا قد صح وثبت فلنقل في الوجوه التي يصح بها نسخ الآية أو الحديث فإذا عدم شيء من الوجوه فقد بطلت دعوى النسخ في شيء من الآيات أو الأحاديث(١١).
ثم ذكر ابن حزم رحمه الله الوجوه التي يعرف بها النسخ وهي أربعة وجوه فقال: إذا اجتمع علماء الأمة كلهم بلا خلاف منهم على نسخ آية أو حديث صح النسخ. فإذا اختلفوا نظرنا فإن وجدنا الأمرين لا يمكن استعمالهما معاً ووجدنا أحدهما كان بعد الآخر بلا شك، أو وجدنا نصاً جلياً على أنه منسوخ ووجدنا نصاً في ذلك من نهي بعد أمر، أو أمر بعد نهي، أو نقل من مرتبة إلى مرتبة فقد أيقنا بالنسخ مثل قوله ﷺ: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور إلا فزوروها»(١٢) ومثل قول جابر كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار(١٣).
وبعد أن ينتهي ابن حزم رحمه الله من سرد هذه الوجوه فيعود ويوجزها مرة أخرى فيقول: فهذه الوجوه الأربعة لا سبيل إلى أن يعلم نسخ آية أو حديث بغيرها أبداً، أما إجماع
(٩) النساء (٦٤).
(١٠) الأعراف (٣).
(١١) الأحكام لابن حزم ج ٤/٨٣ و ٤/٨٤ طبع السعادة.
(١٢) هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود وكلاهما في الجنائز، انظر صحيح مسلم باب استئذان النبي ربه في زيارة قبر أمه حديث (٩٧٦) وانظر سنن أبي داود باب/٨١، جـ ٣ ص. ٥٥٦.
(١٣) أخرجه أبو داود والترمذي في الطهارة وكلاهما عن جابر رضي الله عنه، انظر سنن أبي داود كتاب الطهارة باب/٧٥ جـ ١ ص ١٣٣، وسنن الترمذي كتاب الطهارة باب ٥٩ حديث/ ٨٠ جـ ١ ص ١١٦ تصوير استانبول.