كتاب الله والخروج من الدين وأحكامه جملة واحدة.
وحيث كانت حقيقة النسخ الواقع في الشريعة هي رفع الأحكام الثابتة على المكلفين، وتبديلها بأحكام أخرى، وأن السلف توسعوا فيه كثيراً حتى أطلقوه على التخصيص، والتقييد، والاستثناء كان المفهوم الجديد أسلم وأحكم، لأنه إذا نزل مفهوم السلف للنسخ على مفهوم المتأخرين كما هو حاصل في كثير من الآيات فإنه بهذا ستسقط حجية أكثر الآيات القرآنية على أساس أنها منسوخة بينما هي في الواقع إما مخصصة، أو مقيدة، أو نحو ذلك، ولذلك فإن النسخ لا يطلق إلا على معناه الحقيقي الذي يقتضي رفع الأحكام الثابتة على المكلفين، وإن إطلاقه على ما سوى هذا المعنى إلغاء وإهمال لكلام الله سبحانه وتعالى، وإذا كان من القواعد المقررة والمبادئ المسلمة أن يصان كلام العاقل عن الإلغاء والإهمال ما أمكن كان من الأجدر أيضاً أن يصان كلام رب العالمين عن ذلك. فلا يدعى فيه النسخ كيفما كان الأمر أو يرمي به في كل مكان يُظن فيه المعارضة، أو يُنزل مفهوم السلف فيه على مفهوم الأصوليين، فإن هذا يبطل الكثير من أحكام الدين الثابتة على المكلفين باليقين، وكل ما ثبت باليقين فلا يبطل بالظنون.
وإذا أردنا استقراء كتب التفسير أو كتب علوم القرآن التي تولت بيان الناسخ والمنسوخ في الشريعة لوجدنا أن أكثر الآيات التي تولت بيان الأحكام الشرعية قد ادعي فيها النسخ، ولعل هذا ما حدا بكثير من العلماء لرد الكثير من دعاوى النسخ في القرآن، وبيان وجه بطلانها على ما سيأتي.
ومن هنا كان من الضروري على الباحثين أن يحصروا النسخ في مفهومه الجديد وأن يتحروا وقائعه الثابتة فلا يلقوا القول فيه جزافاً بل لا بد من البحث في مظانه وليعلموا أن النسخ إلغاء لكلام الله وفوائده وأحكامه المترتبة عليه فلا يدعونه في كل موضع يظنون فيه المعارضة أو يعتبرون كل ما خالف أصلاً من أصولهم أو قاعدة من قواعد مذهبهم أنه منسوخ فإن هذا إلغاء للأحكام الثابتة على المكلفين بالهوى والتشهي. وهو ليس من الإنصاف وأبعد ما يكون عن المنهج العلمي الصحيح. ولأنهم بهواهم هذا يسقطون طاعة أوجبها الله عليهم، أو حكماً ثابتاً كلفهم الله به.
وفي هذا يقول ابن حزم(٨) رحمه الله. ((لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول
(٨) ابن حزم مرت ترجمته في ص ١٢٠.