أثر القاعدة في الموضع الثاني، وهو إذا كان المطلق والمقيد متحدين في الحكم مختلفين في السبب مثل، لفظ الرقبة، حيث ورد مطلقاً في كفارة الظهار ومقيداً في كفارة القتل الخطأ. وفي هذا الموضع وقع الخلاف بين العلماء فذهب جمهور الفقهاء، إلى أنه يحمل المطلق على المقيد، وعليه فلا يجوز عتق الرقبة الكافرة في كفارة الظهار، بل الواجب عتق رقبة مؤمنة حملاً للمطلق في كفارة الظهار على المقيد في كفارة قتل الخطأ.
وذهب الحنفية إلى أنه لا يحمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحالة بل يجب العمل بكل من المطلق، والمقيد، كل في موضعه فيجوز عندهم اعتاق الرقبة الكافرة في الظهار لأن النص ورد مطلقاً فيها، ويوجبون اعتاق الرقبة المؤمنة في كفارة القتل الخطأ عملاً بالنص المقيد. أما غير الحنفية فإنهم يحملون المطلق على المقيد ويوجبون عتق رقبة مؤمنة في كفارة الظهار ولا يصح عندهم اعتاق الرقبة الكافرة فيها كما لا يصح في كفارة القتل والحمل بناء على اتحاد النصين في الحكم الذي أوجد تعارضاً ويدفع هذا التعارض بحمل المطلق على المقيد وبذلك يعمل بالدليلين معاً(٣٥).
المقارنة بين ما ذهب إليه الجمهور وبين ما ذهب إليه الحنفية على ضوء القاعدة الكلية
إذا أردنا المقارنة بين مذهب الجمهور ومذهب الحنفية نرى أن الحنفية يعملون بالمطلق والمقيد كل في موضعه، أما في محل النزاع فلا يعملون إلا بدليل الإطلاق عندما يجيزون عتق الرقبة الكافرة في كفارة الظهار - التي تعتبر محل النزاع - في هذه المسألة.
أما الجمهور فإنهم يعملون بالدليلين في محل النزاع لأنهم يحملون المطلق في كفارة الظهار على المقيد في كفارة القتل الخطأ، وقد قدمنا أن الآتي بالمقيد آت بالمطلق أيضاً وليس العكس، لأن الذي يعتق عن كفارة ظهاره رقبة مؤمنة يكون قد عمل بالمطلق في كونه اعتق رقبة وبالمقيد يكون هذه الرقبة مؤمنة، أما من لا يحمل المطلق على المقيد فيجيز الرقبة الكافرة. وبذلك يكون قد عمل بالمطلق وأهمل المقيد في محل النزاع، فمذهب الجمهور أولى لسببين.
أما أولاً لأنهم اعملوا الدليلين في محل النزاع.
(٣٥) ينظر كتاب، دراسات في التعارض والترجيح الدكتور السيد عوض ص ٤٠٦. وكشف الأسرار للبخاري ج ٢ ص ٢٩٠ وما بعدها، وارشاد الفحول ص ١٦٥ دار المعرفة.