فأقول وبالله التوفيق. اختلف العلماء في تخصيص السنة المتواترة بمثلها فمنهم من أجاز ذلك مطلقاً.
ومنهم من أجاز بشرط تأخر الخاص أو مقارنته للعام.
فالقول الأول قول الجمهور، قال ابن الحاجب والجمهور يجوز تخصيص السنة بالسنة خلافاً لشرذمة(٩٧).
القول الثاني ، جواز تخصيص السنة المتواترة بالمتواترة إذا تأخر الخاص منهما، أو كان مقارناً للعام. فإن تأخر العام فهو ناسخ للخاص وإن جهل التاريخ تساقطا. وبهذا قال الأنصاري(٩٨) من الحنفية حيث قال بعد قول ابن عبد الشكور ((يجوز تخصيص السنة بالسنة)) والمختار عندنا إذا كانا مقترنين فيخصص وإلا فينسخ المتقدم بالمتأخر(٩٩).
والظاهر أن هذا قياس مذهب أبي حنيفة رحمه الله في مسألة تخصيص الكتاب بالكتاب.
الاستدلال:
استدل الفريق الأول وهم الجمهور بأن أعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. وفي التخصيص أعمال للخاص. وللعام فيما عدا صورة التخصيص. ولأن التخصيص أهون من النسخ لكون الكلام يصير بالنسخ لاغياً ولذلك فإن النسخ إذا عارض التخصيص يقدم التخصيص عليه محافظة على أعمال الكلام بالقدر الممكن وأمكن أعمال الدليل الخاص والعام في تخصيص أحدهما بالآخر وقد نص الأصوليون على ذلك.
قال الآمدي ((أما المعقول فما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب(١٠٠) أي دليلنا من المعقول ما ذكر في تخصيص الكتاب بالكتاب من أن أعمال الدليلين أولى من إهمالهما أو إهمال أحدهما.
(٩٧) منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل ص ٩٦ ط أولى.
(٩٨) الأنصاري هو عبد العلي بن نظام الدين بن قطب الدين بن عبد الحليم الأنصاري الهالوي اللكهوني ... كان رأساً في الفقه والأصول ... ولد ونشأ في بلدة ((الكهنوء)) وقرأ العلم على والده ... ومن مصنفاته فواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت توفي سنة ١٢٢٥ هـ نزهة الخواطر لعبد الحي الحسيني ج ٢٨٢/٧ - ٢٨٧.
(٩٩) فواتح الرحموت ج ١ ص ٣٤٩ دار إحياء التراث العربي.
(١٠٠) الأحكام للآمدي ج ٢/٤٦٩ دار الكتب.