مذهب الآمدي وهذا نصه ((والمختار أنه ان كانت العلة الجامعة في القياس ثابتة بالتأثير أي بنص أو اجماع جاز تخصيص العموم به والا فلا(٩٣) لأن العلة المنصوص عليها تنزل منزلة النص الخاص فجاز التخصيص بها جمعاً بين الدليلين واعمالاً لهما، لتخصيصه بالنص الخاص. أما إذا كانت مستنبطة فإن العام أما أن يكون راجحاً على القياس المخالف له فلا يجوز تخصيصه بالمرجوح. أو مساوياً فكذلك اذ ليس العمل بأحدهما بأولى من الآخر. بقي احتمال رجحان القياس على العام فيخصصه ولا يخفي أن وقوع احتمالين رجحان العموم والتساوي أقوى من احتمال رجحان القياس(٩٤).
اظهار أثر القاعدة في هذه المسألة:
وتأثير القاعدة في تخصيص عموم الكتاب والسنة بالقياس ، ظاهر من خلال الدليل العقلي الذي استدل به الجمهور وذكره أكثر الأصوليين وتقريره أن يقال : إنه لا خلاف عند جمهور العلماء في أن العام دليل بمفرده ومستقل الدلالة . وأن القياس دليل شرعي مستقل الدلالة أيضاً فيبقى الخلاف قائماً في العمل بالعام في مقابلة القياس فهل يخصص القياس عموم الكتاب أو السنة فيعمل بالدليلين معاً كل في وجه لا يعارض فيه الآخر فيعمل بالعام فيما وراء ما خصصه القياس . ويعمل بالقياس فيما أخرجه من أفراد العام .
أم أن القياس لا يخصص عمومهما فيعمل بالعام في جميع أفراده ويهمل أمر القياس ؟ فلما كانت القاعدة الكلية قاضية بأن اعمال الكلام أولى من اهماله. وأن أعمال الأدلة داخل في عموم القاعدة حكمنا بجواز تخصص عموم الكتاب والسنة بالقياس ومن ثم قلنا بترجيح مذهب الجمهور على غيره . لأن المذاهب الأخرى سواء منها من منع تخصيص العموم. بالقياس أو توقف قد ناقض القاعدة الكلية المتفق عليها من سائر المذاهب فأهمل من الأدلة. الشرعية ما كان بوسعة أعماله فمن منع أهمل القياس في مقابلة النص العام .. ومن توقف عن العمل بهما أبداً أدى توقفه الى اسقاط العمل بهما معاً كما تقدم . والتوقف طريق لإهمال كلا الدليلين . والقاعدة الكلية تنص على أن الأعمال أولى من الإهمال. وبهذا يظهر أن مذهب الجمهور أكثر مراعاة لمبدأ اعمال الكلام وعدم إهماله ومن هنا كان الأولى بالإتباع . والله أعلم .. بهذا يظهر أثر القاعدة الكلية في هذه المسألة .
(٩٣) انظر الأحكام ج ٤٩١/٢ دار الكتب.
(٩٤) المرجع السابق نفس الجزء والصفحة بتصرف.