أما المنقول «فقوله تعالى ﴿وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهن﴾(٣٢) ورد مخصصاً لقوله تعالى ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربّصْنَ بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾(٣٣) وقوله تعالى ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾(٣٤) ورد مخصصاً لقوله تعالى ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾(٣٥) قال الآمدي ((والوقوع دليل الجواز))(٣٦).
وأما المعقول فهو اذا اجتمع نصان من الكتاب أحدهما عام والآخر خاص. فأما أن يعمل بالعام، أو الخاص فإن عمل بالعام لزم منه ابطال والغاء الدليل الخاص مطلقاً، ولو عمل بالخاص لا يلزم منه ابطال العام مطلقاً لامكان العمل به فيما خرج عنه، فكان العمل بالخاص أولى(٣٧) فصار العمل بالخاص طريقاً لاعمال الدليلين معاً، وهو أولى من اعمال أحدهما واهمال الآخر للقاعدة الكلية المجمع عليها في سائر المذاهب.
ولأن الخاص أقوى في دلالته وأغلب على الظن لبعده عن احتمال التخصيص بخلاف العام فكان أولى بالعمل. وعند ذلك فإما أن يكون الدليل الخاص المعمول به ناسخاً لحكم العام في الصورة الخارجة عنه أو مخصصاً له والتخصيص أولى من النسخ لثلاثة أوجه.
الأول أن النسخ يستدعي ثبوت أصل الحكم في الصورة الخاصة ورفعه بعد ثبوته. والتخصيص ليس فيه سوى دلالته على عدم ارادة المتكلم للصور المفروضة بلفظة العام فكان ما يتوقف عليه النسخ أكثر مما يتوقف عليه التخصيص فكان التخصيص أولى.
الثاني أن النسخ رفع بعد الاثبات، والتخصيص منع من الاثبات والدفع أسهل من الرفع.
الثالث، التخصيص في الشريعة أغلب من النسخ فكان الحمل على التخصيص أولى إدراجاً له تحت الأغلب(٣٧). ولأن في التخصيص اعمالاً للدليلين معاً، وأما النسخ ففيه اعمال لأحد الدليلين والغاء للآخر. (وأعمال الدليلين معاً كل واحد من وجه لا يعارض فيه
(٣٢) الطلاق (٤).
(٣٣) البقرة (٢٣٤).
(٣٤) المائدة (٥).
(٣٥) البقرة (٢٢١).
(٣٦) الأحكام للآمدي ج ٢ ص ٤٦٥ دار الكتب العلمية.
(٣٧) الأحكام السابقة ج ٤٦٦/٢.