الصدق لا يقصده المكلف لأنه لغو لا يفيد شيئاً. وتقدير المعنى الزائد صيانة للكلام عن اللغو والعبث وهو أولى من إهماله.
المثال الثاني، قوله ﷺ ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾(٢٧) والمقول فيه ما قيل في المثال السابق. وهو أن نفي وقوع ذات العمل إلا بالنية غير مطابق للواقع فوجب تقدير شيء ليعمل النص عمله ويصان عن الإلغاء وهو إنما صحة الأعمال بالنيات، والذي استدعى تقدير هذا اللفظ هو أن أعمال الكلام خير من إهماله وإلغائه.
النوع الثاني من المقتضى ، ما توقف عليه صحة الكلام عقلاً كقوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾(٢٨) فالآية تدل على توجيه السؤال للقرية وهو ممتنع عقلاً إذ القرية بجدرانها وأرضها لا تعقل إرادة توجيه السؤال إليها فضلاً عن أن يتصور منها الإجابة فاستلزم هذا المنطوق معنى مقدراً متقدماً يستقيم المنطوق به عقلاً وهو =أهل= ويحتمل أن يكون من الحذف لا الاقتضاء فيقال لما تعذر حمل الكلام على حقيقته تعين المصير إلى المجاز والمجاز هنا مجاز حذف. على ما تقرر في موضعه والخلاف فيه بين الأصوليين قائم هل هو من باب المقتضى أو من باب الحذف وليس هنا مجال لاستقصائه.
النوع الثالث، ما تتوقف عليه صحة الكلام شرعاً، وحظ القاعدة في هذا النوع أكثر من غيره بسبب أن الأمر الحامل على تصحيح كلام المكلف وعدم إهماله هو تحقيق الفائدة الشرعية والحكم الشرعي منه.
الأمثلة على هذا النوع، قوله ﷺ: ((كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه))(٢٩) يدل الحديث بمنطوقه على أن ذات دم المسلم وماله وعرضه محرم على أخيه. هكذا يفهم من ظاهر الحديث.
ولا شك أن هذا الظاهر غير مراد شرعاً لأن التحريم وكذلك سائر الأحكام الخمسة كالايجاب، والندب، والكراهة، والإباحة، هذه الأحكام لا تتعلق بالذات بل تتعلق بأفعال المكلفين. فاقتضى ذلك إضافة تقدير يصح به الكلام وتترتب عليه الفائدة الشرعية المرجوة من خطابات الشارع الحكيم فقدرنا كلمة الاعتداء.
(٢٧) رواه البخاري في صحيحه كتاب بدء الوحي كتاب ١ باب ١ ج ١ ص ٢.
(٢٨) يوسف (٨٢).
(٢٩) الحديث رواه مسلم بلفظه سنداً عن أبي هريرة كتاب البر حديث رقم ٣٢ ج ٣ ص ١٩٨٦، تصوير استانبول.