وقدمت الحقيقة الشرعية لأن الظاهر أن الشارع يقصد من خطاباته حقائقها الشرعية لا معانيها اللغوية الأصلية فتلخص أن الحقيقة إذا تقابلت مع المجاز أنها تقدم على المجاز وأن الحقيقة الشرعية إذا تقابلت مع الحقيقة اللغوية فإن الشرعية أولى بالاعتبار وهذا قدر متفق عليه عند علماء الفقه والأصول.
وهناك قاعدة أصولية أخرى وهي أن الأصل في النصوص الشرعية أن تكون معبرة بذاتها عما تتناوله من معان ولا يجوز إضافة لفظ أو إضمار معنى إليها. فتقدير لفظ زائد أو إضافة معنى على النص الشرعي خلاف الأصل. إذ الأصل التأصيل وليس الزيادة إلا إذا اقتضى ذلك ضرورة ماسة لأعمال الكلام وإبعاده عن اللغو فعندئذ يقدر فيه لفظ ليصان عن اللغو أو الكذب فالدافع على هذه الزيادة في الكلام هو صون كلام الشارع أو كلام غيره عن اللغو والإهمال. أو بالأحرى ليعمل اللفظ عمله في إفادة معناه وترتيب الحكم الشرعي عليه.
قال في كشف الأسرار((واعلم أن الشرع متى دل على زيادة شيء في الكلام لصيانته عن اللغو. فالحامل على الزيادة هو صيانة الكلام)) (١٩) وقال أبو زيد الدبوسي (٢٠) رحمه الله (المقتضى زيادة على النص لم يتحقق معنى النص بدونها فاقتضاها النص ليتحقق معناه ولا يلغو))(٢١).
وهذه الزيادة يجب تقديرها مقدماً في النص كشرط لأعمال الكلام وصيانته عن الإهمال. ولو أُبقي النص على ما هو عليه دون زيادة ما اقتضت الضرورة لتصحيحه لكان لغواً من القول لا يترتب عليه حكم شرعي ولا يعمل النص عمله ولا يوجب أي حكم أو فائدة. يقول الإمام السرخسي (٢٢) رحمه الله المقتضى عبارة عن زيادة عن المنصوص يشترط تقديمه ليصير المنظومُ مفيداً أو موجباً للحكم وبدونه لا يمكن أعمال المنظوم(٢٣) وأثر القاعدة واضح جداً من هذا التعريف. ويقول الدريني تعقيباً عليه ((والأصل صيانة كلام العاقل عن اللغو. وأن أعمال الكلام خير من إهماله))(٢٤) لذا كانت هذه الزيادة ضرورية اقتضاها تصحيح
(١٩) كشف الأسرار ج ٧٥/١.
(٢٠) مرت ترجمته في ص ٣٠.
(٢١) تقويم الأدلة للدبوسي (٢٤٤) عن كتاب تفسير النصوص للدكتور محمد أديب الصالح ٥٥١/١.
(٢٢) مرت ترجمته في ص ٩٩.
(٢٣) أصول السرخسي ج ٢٤٨/١.
(٢٤) المناهج الأصولية للدريني ص ٣٥٠.