الخاص، دون الحقيقة اللغوية وهي مطلق الإمساك فتلغى هذه. لأن حمله على الحقيقة الشرعية يدل على صحة صوم النفل بنية من النهار غير مبيتة من الليل وهذه فائدة شرعية عظيمة.
بخلاف ما إذا حمل على الحقيقة اللغوية فإنه لا يدل على هذه الصحة وحينئذ تنتفي هذه الفائدة، وإذا دار أمر الخطاب بين حمله على معنى يؤدي فائدة شرعية وبين حمله على معنى خال عن هذه الفائدة، كان حمله على المعنى الذي يحققها أولى من حمله على غيره لأن حمله على غيره إهمال لتلك الفائدة، ولا شك أن أعمال الكلام أولى من إهماله.
وإن ورد في النهي كنهيه ﷺ عن صيام يوم النحر وعن بيع الخمر كان مجملاً، فلا يحمل على حقيقة الصوم أو البيع الشرعية دون اللغوية ولا العكس بل يتوقف حمله على إحداهما بخصوصها، على وجود قرينة معينة وذلك لأنه لو حمل على الحقيقة الشرعية للزم صحة صوم يوم النحر وصحة بيع الخمر. لأن الغزالي يرى أنَّ النهي إنما يتعلق بالممكن المتصور وقوعه. والحقائق الشرعية المتصورة لا تقع إلا صحيحة(٨) مع أن هذا اللازم وهو صحة هذا الصوم وصحة هذا البيع باطل فما أدى إليه وهو الحمل على الحقيقة الشرعية يكون باطلاً مثله، ولو حمل على الحقيقة اللغوية لا يؤدي إلى هذا اللازم، ولكنه مع ذلك لا يصح حمله عليها وتقديمهما على الحقيقة الشرعية، لأنه بمجرد ورود الشرع وإظهاره حقائق جديدة لم تكن معروفة، ولا معهودة قد ضعف أمر الحقيقة اللغوية، بحيث لا تقوى بحال على التقدم على الحقيقة الشرعية، وإن كانت تساويها في بعض الأحيان لطروء بعض العلل المانعة من تقدم الحقيقة الشرعية عليها.
المذهب الرابع، وهو المختار عند الآمدي(٩) أن الحقيقة الشرعية تارة تكون أقوى من الحقيقة اللغوية وتارة تكون أضعف منها في القوة، فإن ورد الخطاب في جهة الإثبات حمل على الحقيقة الشرعية لما تقدم ذكره في الكلام على مذهب الغزالي وإن ورد في النفي حمل على الحقيقة اللغوية، لأن حمله على الحقيقة الشرعية يؤدي إلى لازم باطل، بخلاف حمله على الحقيقة اللغوية فإنه لا يؤدي إلى هذا اللازم الباطل. وإذا دار أمر الخطاب بين حمله على معنى يؤدي إلى باطل وحمله على معنى لا يؤدي إلى ذلك اللازم الباطل كان حمله على المعنى الآخر
(٨) ما ذكره الآمدي، والغزالي في المستصفى ٣٥٧/١ والأحكام ١٧٤/٢ من أن النهي يستلزم الصحة قد أنكره بعد ذلك وضعفا قائله وذلك في مباحث النهي، انظر المستصفى ٩/٢، والأحكام ١٧٤/٢.
(٩) الأحكام ١٧٤/٢ والمستصفى ٩/٢ ومنتهى السول ٥٩/٢ والإبهاج ٣٦٥/١.