তাইসির তাফসির
تيسير التفسير
{ وألف بين قلوبهم } هم الأوس والخزرج، كانوا فى حروب بينهما مائة وعشرين سنة، وفى حمية عظيمة، والحمية فى العرب عظيمة وهى فى الأوس والخزرج أعظم، لو لطم أوسى خزرجيا أو خزرجى أوسيا لسعى قوم الملطوم فى الأخذ بالثأر حتى يكون القتال، وإن أخذ به سعى قوم المأخوذ منه وهكذا، ولما دخلهم الإسلام أبدلوا بتلك الحمية المحابة، وكانوا كلهم يدا على الكفار حتى أن الرجل منهم يقتل أباه وأخاه فى الله إلا إن منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى أن شدة تحابهم بعد شدة ذلك الحقد والحمية حتى لا يكاد يتألف قلبان معجزة له صلى الله عليه وسلم، إذ صاروا كنفس واحدة { لو أنفقت ما فى الأرض جميعا } من الأموال فى التأليف بينهم { ما ألفت بين قلوبهم } لبلوغهم غاية الحقد حتى أنهم لا يرضون بمال ما بدل أخذ الثأر والنصرة ولا غرض لهم فى سوى ذلك { ولكن الله ألف بينهم } بقدرته وكون القلوب بيده يصرفها حيث شاء وأثر فيها الإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى، وكنتم متفرقين فجمعكم الله بى، وكنتم فقراء فأغناكم الله بى، فقال: ألا تقولون جئتنا طريدا فآويناك وأصحابك، ومحتاجا فواسيناك، وكذبك قومك فصدقناك "
، فقالوا: لا نقول ذلك، المنة لله ولرسوله علينا { إنه عزيز } لا يكون مغلوبا على ما أراد أو لم يرد، ولا يعجز لأنه تام القدرة، { حكيم } لا يخرج شئ عن حكمته ولا عبث له ولا سفه، ويفعل ما أراد بإتقان، ومن ذلك أنه زين فى قلوبهم الإيمان وكره إليهم الكفر حتى كان من وافقهم على ذلك حبيبهم، قريبا كبعضهم لبعض أو أجنب كالمهاجرين، واستبدلوا أغراض الدنيا بأغراض الآخرة لدوامها.
[8.64]
نزلت فى البيداء فى غزوة بدر قبل القتال، ومن معه ثم ثلاثة مائة وثلاثة عشر، المهاجرون والأنصار، أمره الله عز وجل أن يكتفى بهم ويلقى قريشا كائنين ما كانوا بهم، والبيداء هنا اسم مخصوص قرب المدينة، أو الصحراء، والآية مدنية، وما نزل بعد الهجرة مدنى ولو نزل فى غير المدينة، وقيل: واسطة. وعن ابن عباس أنها مكية، أمر النبى صلى الله عليه وسلم أن توضع فى هذه السورة المدنية، وأنه أسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة، وكانوا يجتمعون فى دار الأرقم عند الصفا خفية، وأسلم عمر ونزلت الآية فى إسلامه تابعا لمن قبله، وجهر بالإسلام، وقال: لا نعبد الله سرا، ومن معطوف على لفظ الجلالة، فالمعنى كافيك الله وكافيك من اتبعك من المؤمنين فى أمر القتال وإقامة الدين، أو على الكاف بلا إعادة للجار لأنه قد ورد العطف على المجرور المتصل بلا إعادة جار، وهو مذهب الكوفيين، وذكر بعض أن الفصل كاف عن الإعادة كما يكفى فى العطف على المتصل المرفوع، وفى الآية فصل ولو أعيد لقيل: وحسب من اتبعك، ويجوز كون حسب اسم فعل، والكاف مفعول والعطف عليه، والمعنى على الوجهين يكفيك الله، ويكفى الله من اتبعك من المؤمنين، وهو مخالف بكونه اسم فعل بحسب الواقع اسما لأن، ولا يتكرر هذا مع ما تقدم، فإن هذا فى أن الله يكفيه ويكفى المسلمين أمر القتال بالنصر إن نزلت فى بدر، أو يكفيك الله والمؤمنون فى ذلك. وإن نزلت فى مكة، فالمعنى يكفيك الله ويكفيك المؤمنون، أو يكفى لك الله ويكفى المؤمنين فى الجهر بالدين، أو هذه فى أمور الدين والدنيا كلها، وما تقدم بمعنى يكفيك خداعهم.
[8.65-67]
{ يا أيها النبى حرض المؤمنين } حثهم { على القتال } قتال الكفرة، أى أزل حرضهم وهو الإشراف على الهلاك بالقتال، إذ لو لم يقاتلوا لأشرفوا عليه، قال الله عز وجل
حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين
[يوسف: 85] والإزالة من معانى التفعيل كما يقال: قذيته أى أزلت قذاه، بتشديد ذال قذيته، { إن يكن منكم عشرون صابرون } بقوة وشجاعة { يغلبوا مائتين } من الذين كفروا الواحد بعشرة، ذكر هنا قوله صابرون ولم يذكره فى قوله { وإن يكن منكم مائة } أى صابرة ولم يذكر الذين كفروا وذكره فى قوله { يغلبوا ألفا من الذين كفروا } وذلك احتباك وهو فصاحة عظيمة وهى أن يذكر فى كل من الكلمتين ما حذف من الآخر، ولا يحل للواحد الفرار من عشرة رجال كافرين يصبر فيغلبهم، وله الفرار من أحد عشر، واللفظ إخبار والمراد أمر، أى اثبت يا واحد لعشرة، أو إخبار لفظا ومعنى، أى حكم الشرع لزوم ثبوت الواحد للعشرة، وعلى الوجهين تكون الآية حكما، والحكم ينسخ فينسخ كون ذلك شرعا بما بعد، فكان الشرع أن لا يلزم ثبوت المسلم لثلاثة من الكفار، وإنما الخبر الذى لا ينسخ هو مالا حكم فيه، كما لو كان المعنى أن الله عز وجل أعطى المؤمن قوة عشرة من الكفار فلا وجه لنسخه إلا على معنى أن الله أزال بعد ذلك تلك القوة وردها إلى قوة رجلين من الكفار { بأنهم قوم لا يفقهون } لأنهم قوم لا يفقهون أمر الدنيا والآخرة فليسوا يقاتلون لدين الله ولا رجاء لثواب الآخرة الدائم فيرغبوا، ولا يرجون البعث فشحوا على الحياة الدنيا إذ ليس لهم عندهم إلا هى ونعيمها فلا يبالغون فى القتال بخلاف من اعتقد السعادة فى الآخرة ويقاتل رغبة فى الله عز وجل، فتكون الآية إخبارا بضعف المشركين فلا يخافهم المؤمنون، واختير أن المعنى استحقاق الكفرة للقتل لأنهم لا يفقهون فاقهروهم بالقتل، وهو متعلق بيغلبوا، ونسخ ثبوت الواحد للعشرة لما كثر المؤمنون، وقيل: نسخ بعد مدة قبل كثرتهم، وتضرعوا إلى الله فنسخ، واختار مكى أن ذلك تخفيف لا نسخ، وهو رجل أندلسى جاور مكة فنسب إليها، وعلى النسخ إن قاتل واحد عشرة فقتل فلا إثم عليه لأنه نسخ الوجوب، وعلى أنه تخفيف غير نسخ يأثم، كذا قيل. قلت: لا إثم لأنه خفف له عن الوجوب ولم يحرم عليه مقابلتها، فإنه إذا ترك الوجوب بقى الجواز بقوله: { الآن خفف الله عنكم وعلم } لعلم الله تعلق بالشئ بلا أول، قبل وجوده وحال وجوده وبعد عدمه { أن فيكم ضعفا } حادثا لاعتماد كل على الآخر، فالضعف قلبى، وقيل ضعفا فى الأبدان، وقيل ضعف البصيرة، إذ حدث قوم فى الإسلام ولم يحسنوه، وقيل ضعف فى رأى الحرب، ولم يكن الضعف من قبل فلا يتصف بأنه علم أنه موجود بل علم أنه سيوجد { فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين } الواحد باثنين ويجوز له الفرار لثلاثة وإن زال سلاحه فر ولو لواحد.
{ وإن يكن منكم ألف } صابرون { يغلبوا ألفين بإذن الله } بإرادته وذلك أيضا إخبار بمعنى الأمر، أو حقيقة كما مر، وقوله { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } وقوله { وإن يكن منكم مائة صابرة } يغنى عن قوله: وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين، ووجه ذكرهما أنه واقعة حال، فإنه صلى الله عليه وسلم يبعث السرية وما ينقص عددها عن العشرين ولا تزيد على المائة، وإن ذلك دلالة على عدم تفاوت القلة والكثرة، فإن العشرين قد لا تغلب المائتين، ولم يذكر فى جملتى التخفيف قيد الكفر اكتفاء بذكره قبل، وذكر فى التخفيف بإذن الله وهو قيد لهما { والله مع الصابرين } عن الشهوات والمعاصى وعلى الشدائد فى دين الله بالنصر والتوفيق والثواب، روى أن المسلمين ثلاثة آلاف فى غزوة مؤتة صبروا لمائتى ألف من المشركين: مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة لخم وجذام، والأفضل صبر الواحد لأحد عشر فصاعدا، وصبر الواحد لثلاثة فصاعدا، ولزوم ثبوت الواحد للعشرة يوم بدر ونسخ بعده، قال المهاجرون: يا ربنا نحن جياع وعدونا شباع. ونحن فى غربة وعدونا فى أهليهم، وأخرجنا من ديارنا وأموالنا وعدونا فى ديارهم وأموالهم. وقال الأنصار: شغلنا بعدونا وأنسينا إخواننا فنزل التخفيف. والصبر قبل التخفيف وبعده واجب على الحر والعبد. ولما أخذوا الفداء من أسارى بدر بلا إذن من الله وإنما أمرهم الله عز وجل بالقتال والقتل لكل من قدر عليه لا بالأسر ولا بالفداء نزل قوله تعالى:
অজানা পৃষ্ঠা