তাইসির তাফসির
تيسير التفسير
[8.53]
{ ذلك } العذاب النازل بكفار قريش وقوم فرعون ومن قبلهن، المنوط بكفرهم { بأن الله لم يك مغيرا } بنعمة { نعمة أنعمها } أى شيئا نافعا أثبته أو إنعاما بكسر الهمزة أنعمه { على قوم } متعلق بأنعمها وهو أولى من تعليقه بمغيرا { حتى يغيروا ما بأنفسهم } فى أنفسهم من خير دينى أو مباح بمعصية أو شر بما هو أقبح منه. كانت قريش فى أمن من خوف وإطعام من جوع، وكانوا فى شرك وعبادة الأصنام، ثم كانوا فى أقبح وهو زيادة الإشراك بالكفر بالقرآن والنبى صلى الله عليه وسلم والسعى فى إهلاكه وإهلاك المؤمنين وقطع الرحم فغيرهم الله بالقحط ثم قتل بدر، أو كانوا متمكنين من الإيمان ثم زادوا حائلا آخر عنه، وهو تشديد العناد، أو كأنهم قد اهتدوا لقوة الأدلة وعدم المانع وتركوا الاهتداء كما هو وجه فى قوله تعالى
أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى
[البقرة: 16] كأنهم اهتدوا وبدلوا اهتداءهم بالضلالة { وأن الله سميع } عليم بما يقولون { عليم } بما يفعلون. والعطف على أن الله لم يك مغيرا، أى ذلك بأن الله لم يك مغيرا إلخ.. وبأن الله سميع عليم، فهو يعذبهم بكل ما فعلوا من صغير وكبير.
[8.54]
{ كدأب آل فرعون والذين من قبلهم } تقدم أن الدأب العمل المعتاد ويعبر عنه بالطريق، وأنه الشأن، وفى ذلك كله مداومة { كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم } بعضا بالصيحة وبعضا بالرجفة وبعضا بالخسف وبعضا بالحجارة، وبعضا بذلك أو بمتعدد منه وبعضا بالمسخ، وبعضا بالريح، وبعضا بالنار، كما أهلك كفار قريش بالسيف { بذنوبهم } غيروا فغيرناهم، قال بعض: إذا فسرنا الدأب بالعمل الدائم فكفروا وكذبوا تفسير له، وإذا فسرناه بالشأن فكفروا وكذبوا حال بتقدير قد، أو مستأنف لتفسير حالهم المؤدية إلى العقاب، أى دأبهم كدأب آل فرعون، أو عائد إلى يغير أى حتى يغيروا ما بأنفسهم كتغيير دأب آل فرعون عن حال قبله. كانوا قبل هذا الدأب على حال سوء، زادوا عليها شرا، وداموا عليه، وهذا تكرير لما قبله للتأكيد فى تفظيع حال كفرة قريش لأن كفرهم أعظم من كل كفر لأنهم كذبوا أفضل الرسل وأفضل الكتب الخاتمين، ولأن الأول إخبار عما لا يفعله إنسان، وهو ضرب الأدبار والوجوه عند الموت، والثانى عما يعتاد من الناس وهو الإهلاك والإغراق، ولأن فى الأول إجمالا والثانى فيه تفصيل بالإغراق كما قال { وأغرقنا آل فرعون } ولأن فى الأولى الكفر بالآيات، وفى الثانية التكذيب زيادة على ما فى الأولى بحسب المفهوم، ولأن فى السنة ذكر الرب بمعنى المنعم، أى كذبوا مع إنعامه عليهم، وقيل: الأول لتشبيه الكفر والأخذ به لأن قوله كفروا فأخذهم وجه الشبه، والثانى لتشبيه التغيير فى النعمة بسبب تغيير ما بأنفسهم، وفيه أن كذبوا إلخ.. وجه الشبه أيضا، وخص آل فرعون بالتنصيص - والله أعلم - لأنهم يعذبون غدوا وعشيا، فكذلك كفار قريش، والمراد أغرقنا آل فرعون مع فرعون، وكذا يستلحق بقومه فى كل هذا { وكل } كل أمة عن الأمم المكذبة، أو كل واحد من هؤلاء (كانوا ظالمين) لأنفسهم بالكفر، ولأنبيائهم وخلائفهم بالتكذيب، فإن الأنبياء وخلائفهم يتضررون بالتكذيب، وظالمون الناس بألسنتهم وجوارحهم، وخلق الله بالقحط.
[8.55]
{ إن شر الدواب عند الله } فى حكم الله وقضائه، أو فى اللوح المحفوظ { الذين كفروا فهم لا يؤمنون } أى الأشقياء الذين كفروا فلا يؤمنون لسبق الشقاء عليهم، فالفاء لتفرع عدم الإيمان على كفرهم الذى يصرون عليه، فقوله هم لا يؤمنون من جملة الصلة بواسطة العطف، لا اعتراض بتفريع كما قيل، أى كفروا وسبق القضاء عليهم أنهم لا يؤمنون، وقيل: المعنى إذا علمت أن هؤلاء شر الدواب فاعلم أنهم لا يؤمنون، فلا تأس عليهم، ولا تطمع فى إيمانهم ولا يهمك كفرهم، فلا يلزمك زيادة التعب فيهم، على ما مر منه، وهؤلاء شر، وغيرهم خير لأنه إما سعيد وإما غير مكلف. وذلك غير تفضيل بل كما يقال: هذا قبيح وهذ حسن، أو مضرة ونفع. أو اسم تفضيل أى أقبح الدواب هؤلاء، وقبيحها من أشرك ثم أسلم، فإنه لا يخفى قبح الشرك ولو من سعيد، وقبيحها أيضا البهائم، وقبحها من مجرد عدم العقل.
[8.56]
{ الذين } خبر ثان أو بدل أو بيان، أو هم الذين، أو أذم الذين، أو نعت، أو مبتدأ خبره إما تثقفنهم إلخ.. { عاهدت } أو عاهدتهم، فمن فى قوله { منهم } للبيان، فهم هؤلاء المصرون، أو من للتبعيض فتكون الهاء للمشركين مطلقا، أو من للابتداء أخذت منهم العهد لتضمين العهد معنى الأخذ، ومن أجاز زيادة من فى الإيجاب والمعرفة أجازها هنا فتكون الهاء مفعول عاهد. أخذ العهد من قريظة على أيدى ستة منهم رؤساء، وأرأسهم فى ذلك ابن تابوت، أن لا يحاربوه ولا يعاونوا عليه العدو، وأعانوا أهل مكة بالسلاح على قتاله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: نسينا وأخطأنا فعاهدهم ثانيا، وأعانوا الكفار عليه صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، وركب منهم كعب بن الأشرف إلى أهل مكة وحالفهم كما قال { ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة } عاهدوا فيها، أو حاربوا فيها، والأول أولى لأن المعاهدة هى التى يقع فيها النقض، أو الفاء لأن المحاربة رجوع إلى العهد بالإبطال { وهم لا يتقون } الله فى غدرهم بنقض العهد عليه ولا تغليبه المؤمنين عليهم، أو لا يتقون عيب الغدر ولا عاقبته.
অজানা পৃষ্ঠা