592

[8.50]

{ ولو ترى } يا محمد، أو يا من يصلح لخطاب المقام بعينك حال الكفار، أو ولو ترى الكفار وجواب لو محذوف تقديره لرأيت أمرا فظيعا، وتقديره بعد قوله للعبيد أولى من تقديره بعد الحريق، والحذف فى مثل هذا أولى ليستحضر كل ممكن، ويجوز أن تكون للتمنية فلا جواب لها، وحكمتها التشفى، والمضارع إذا كان بعد لو يكون بمعنى الماضى { إذ } متعلق بترى { يتوفى الذين كفروا الملائكة } فاعل يتوفى، يأخذون عددهم وافيا بالنزع لأرواحهم بالله عز وجل، ويتوفى بمعنى الماضى لدخول إذ ولفظ المضارع لتكرار التوفى فيما مضى، أو فاعل يتوفى الله، والملائكة مبتدأ خبره ما بعده والجملة حال من الذين والرابط ضميرهم، وإذ جعلنا الملائكة فاعلا فيضربون إلخ حال من الملائكة أو من الذين وقدم الذين على طريق الاهتمام { يضربون } بسيوف أو بمقامع أو بسياط من نار { وجوههم } ما استقبل منهم من أعلى الرأس إلى أسفل الرجلين، خلفه إلى العقب من وراء. وذلك يوم بدر لما قتلوا ضربت الملائكة وجوههم وظهورهم وما فوقها وما تحتها عند قبض أرواحهم، أو المراد التعميم، ويجوز أن يراد خصوص المقاعد والوجوه، وعن ابن عباس: إذا أقبلوا فى القتال ضرب الملائكة وجوههم بالسيوف، وإذا أدبروا ضربوا أدبارهم بها، فضربوا أدبارهم ووجوههم عند نزع أرواحهم أيضا، وعن الحسن أن رجلا قال: يا رسول الله، رأيت بظهر أبى جهل مثل الشراك، فقال صلى الله عليه وسلم:

" ذلك ضرب الملائكة "

، ويجوز أن يكون ذلك فى الآخرة فى أهل بدر الذين لم يقتلوا فيه، أو من الكفار مطلقا، ويلوح بذلك إلى أنه قد فعل مثل ذلك بمن قتل بها، وترى بمعنى رأيت على أنها فى بدر، أى مضى ذلك ولم تره، ولو رأيته لرأيت أمرا فظيعا، فمدخول لو هنا ماض تقديرا مستقبل تحقيقا { وذوقوا } ويقولون لهم ذوقوا، وستشبعون، وذلك تبشير لهم بالعذاب تهكما، وهذا كذوق أول الطعام، وعنوان لما يتضاعف بعد، ويجوز أن يقدر ونقول ذوقوا كما فى آية أخرى

ونقول ذوقوا عذاب الحريق

[آل عمران: 181] { عذاب الحريق } تضربهم الملائكة بسيوف وسياط، أو مقامع فتلتهب نارا كلما ضربوهم، وهى نار قبل جهنم، أو يضربونهم بلا نار ويقولون ذوقوا عن قريب نار جهنم، والحريق النار.

[8.51]

{ ذلك } العذاب أو الضرب أو ما ذكر منهما معا، وإشارة البعد للتعظيم { بما قدمت } كسبت قبل هذا فى الدنيا { أيديكم } أى بما قدمتم، لكن نسب التقديم للأيدى لأن أكثر الأعمال بها، وذلك تعبير بالجزء عن الكل { وأن الله ليس بظلام للعبيد } هنا انتهى كلام الملائكة والعطف على ما، كأنه قيل: ذلك بما قدمت أيديكم وبانتفاء ظلم الله عباده، ولولا انتفاؤه لأمكن أن يعذبهم بما لم يقدموه، وكأنه قيل: ما ساغ تعذيبكم إلا بما قدمتم وأما أن يعذبكم بدونه فلا، واقتضت حكمته ألا يهمل العاصى إلا بالتوبة، ولا حرام على الله، ولا واجب على الله، وهلكت المعتزلة بقولهم يجب على الله الأصلح، ولنفى الظلم معنيان: إثابة المحسن، وعدم التعذيب بلا ذنب، وكل منهما عدل فلا منافاة كما ادعى بعض أن ما هنا يخالف ما فى آل عمران من أن سببية للعذاب من حيث إن نفى الظلم يستلزم العدل المقتضى إثابة المحسن وعقاب المسئ، وأما جعله هناك سببا وهنا قيدا للسبب فوجهه أن التسبب الوسيلة المحضة اعتبرت سببا مستقلا، أو فيدل للسبب، وظلام للنسب، أى ليس بذى ظلم فلا يوهم أن له ظلما قليلا، وكذا إن قلنا أنه للمبالغة بكثرة الأفراد، إذ لو كان له أصل الظلم ولو بلا كثرة ظلم لكان ظلمه كثيرا لكثرة عباده الذين يظلمهم، حاشاه، فنفى أصل الظلم عن نفسه ونفى أن يصل ظلم منه عبدا ما من عبيده وما صدقه مبالغة كأنه قيل: انتفى الظلم عنه انتفاء بليغا.

[8.52]

{ كدأب آل فرعون } دأبهم كدأب آل فرعون أى معتادهم الذى يدأبوه عليه، أى يدومون كمعتاد آل فرعون، أو شأنهم كشأن آل فرعون، أو عملهم كعملهم، أو يضربون وجوههم إلخ. ضربا ثابتا كدأب آل فرعون فى الضرب، أو ذوقوا إلخ.. ذوقا ثابتا كدأب آل فرعون فى الذوق، فذلك ما فعل آل فرعون وما فعل بهم، أو ما فعلوا أو ما فعل بهم. والأولى أولى. ألا ترى إلى قوله عز وجل { كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم } قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: آل فرعون أيقنوا بأن موسى نبى الله عليه السلام فكذبوه، كذلك هؤلاء جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق فكذبوه فعاقبهم كما عاقب آل فرعون { والذين من قبلهم } أى من قبل آل فرعون، عطف على آل فرعون { كفروا بآيات الله } تفسير لدأب آل فرعون بأنه الكفر بآيات الله، وإذا أعدنا التشبيه إلى الضرب أو الذوق فهذا بيان لموجب الضرب أو الذوق { فأخذهم الله بذنوبهم } كفر قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم فأهلكهم عاجلا، ولهم عذاب آخر فى قبورهم وبعدها كما كفر آل فرعون بموسى فأهلكوا وعذبوا بعد موتهم، ويجوز عود الضمير لكفار قريش { إن الله قوى } لا يعجز عما أراد { شديد العقاب } لا يطاق عذابه ولا يدفع، وكل أمره شديد خيره وشره حتى أنه لو كان له الظلم لكان ظلاما كما أنه لما كان عالما كان علاما، فنفى اللازم وهو المبالغة فى الظلم إذ قال: ليس بظلام للعبيد ليتوصل به إلى نفى الملزوم وهو أصل الظلم على وجه الكناية.

অজানা পৃষ্ঠা