590

{ إذ } اذكر إذ، أو بدل من يوم الفرقان { يريكهم الله } صيرك الله رائيهم، أى المشركين { فى منامك } فى نومك أو زمانه أو مكانه، والأول أولى ويليه الثانى (قليلا) مع كثرتهم تجزئة للمؤمنين عليهم، والمراد أنه أراه عدد بعضهم أو حشرهم فى المنام كلهم، وستر بعضا خلف بعض، أو أحضرهم كلهم وكف الله بصره عنهم إلا قليلا، ولم يقل له الله لم يكن إلا هؤلاء، فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم المؤمنين بقلتهم حسب ما رأى، ولم تكذب رؤياه، ورؤيا الأنبياء حق لا تكذب، وإنما يكون التناقض لو قال لم يكونوا إلا هؤلاء الذين أريتك، ففرحوا ونشطوا للقتال { ولو أراكهم } فى المنام { كثيرا } كما هو فى الواقع كثير وأخبرت المؤمنين بالكثرة ولا بد من الإخبار إذ لا يكتم رؤياه لأنها وحى إلا ما أباح الله له كتمه { لفشلتم } كسلتم للجبن عن قتالهم، و لم يقل لفشلت لأنه صلى الله عليه وسلم لا يفشل، والخطاب فى فشلتم لا يشمله، أو شمله بطريق الحكم على المجموع { ولتنازعتم فى الأمر } القتال، يجيب بعضكم ثقة بالله ويأبى بعضكم لكثرتهم، والتنازع سبب للفشل فعطفه عطف سبب على مسبب، ويفصح بذلك فاء السببية فى قوله تعالى " ولا تنازعوا فتفشلوا " { ولكن الله سلم } سلمكم من الفشل والتنازع بإراءته نبيه إياهم قليلا وإخباره إياكم { إنه عليم بذات } صاحبة { الصدور } بالخطرة ذات الصدور، أو بالخطرات ذات الصدور لتأويل الجماعة، يعلم ما فى القلوب وما يكون وما يغير ما فيها من الجبن والجرأة والصبر والجزع، وعبارة بعض أنه جعل الخواطر كأنها مالكة للصدور.

[8.44]

{ وإذ يريكموهم } فى اليقظة حين التقيتم قبل التحام القتال، أى واذكروا إذ { إذ التقيتم فى أعينكم قليلا } الإراءة بصرية تعدت لاثنين للهمزة وقليلا حال من الهاء بخلاف ما تقدم فإنها حلمية تتعدى إلى ثلاثة للهمزة رآهم قليلا لينشطوا وتصديق رؤياه صلى الله عليه وسلم حتى قال ابن مسعود لمن يليه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مائة، وهم فى نفس الأمر ألف، كف الله بصرهم عن رؤية أكثرهم، أو رأوا من معهم فظهر لهم أن المشركين وهم ألف قليل بالنسبة، والمشركون لم يروا الملائكة فقالوا أن المؤمنين قليل، أو كان الكثير قليلا بمحض خلق الله والقليل كثير بمحض خلقه كما خلق فى عين الأحول رؤية الواحد اثنين، ومما قواهم الله به أن الله تعالى أراه فى منامه المذكور مصارع القوم، هذا مصرع أبى جهل، هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، فأخبر المؤمنين، والمصارع لحكاية الحال الماضية لتشاهد، والمشاهدة أقوى، وكذا فى قوله: { ويقللكم فى أعينهم } عطفا على يريكم أو على التقيتم، قلل المسلمين فى أعين الكفار ليجيئوا فتقتلوهم حتى قال أبو جهل إن هؤلاء المؤمنين أكلة جزور بفتح الهمزة والكاف، أى عدد يكفيهم فى الأكل بعير لقلتهم { ليقضى الله أمرا كان مفعولا } هذا علة للتقليل فما تقدم عله للجمع بين الفريقين، أو الأمر هناك التقاء الفريقين على وجه كون نصر المؤمنين معجزة له صلى الله عليه وسلم، وهنا إعزاز الإسلام على الشرك فلا تكرير، وذلك قبل التحام القتال، وأما بعده فرأوا المسلمين مثليهم ثم رأوهم سبعة آلاف وثلثمائة وثلاثة عشر بالملائكة الذين أمدهم الله، { وإلى الله } لا إلى غيره { ترجع } ترد { الأمور } الأحوال قليلها وجليلها: من تغليب القليل على الكثير وتقليل الكثير والثواب والعقاب وغير ذلك، كما ترجع إليه الأجسام، وفى ذلك تنبيه على أنه لا يجوز قصد أحوال الدنيا لذاتها بل يجب أن تقصد زادا لدار المعاد.

[8.45]

{ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم } أى للقتال فحذف للعلم به، أى اللقاء معهود فى القتال عند العرب حتى لو ذكر قوله للقتال كان ذلك من التجريد { فئة } جماعة كافرة، ولم يقل كافرة لأن المؤمنين يومئذ لا يقاتلون إلا المشركين، والمراد فئة تستحق القتال لشرك أو بغيره عموما لما بعد، كما قال الله عز وجل

وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا

[الحجرات: 9] إلخ.. ووزن فئة فعة، حذفت لامه أصله فأو فحذفت الواو وعوض عنها التاء ففتحت الهمزة للتاء كما فى عدة وزنة، يقال فأوت رأسه أى شققته، أو وزنه فلة من فاء يفئ بمعنى رجع وأصله فئ بفاء مكسورة فمثناة ساكنة فهمزة حذفت المثناة وعوض عنها التاء { فاثبتوا } وقت لقائهم وقتالهم وجوبا إلا إن كانوا أكثر من ضعفيكم فيجوز لكم الفرار { واذكروا الله كثيرا } ذكرا كثيرا أو زمانا كثيرا حال اللقاء وغيره بقلوبكم أو مع ألسنتكم بالدعاء بالنصر والمغفرة والتكبير وسائر الأذكار، ومنها: اللهم أنت ربنا وربهم نواصيهم ونواصينا بيدك فاقتلهم واهزمهم. وقيل المراد إحضار الله تعالى فى القلب، وتوقع نصره، وقيل استحضار وعد الله بالنصر فى الدنيا والثواب فى الآخرة، وذلك استحباب لا وجوب، واستحب الإخفاء، والآية دليل على الترغيب فى ذكر الله عز وجل إذ أمر به ولو فى هذه الحال. { لعلكم تفلحون } بالنصر والثواب والسلامة.

[8.46-47]

{ وأطيعوا الله ورسوله } فى اللقاء كغيره، ولا تفعلوا ما يكون عونا لأعدائكم عليكم { ولا تنازعوا } لا تختلفوا فيما بينكم من أمر الحرب كبدر وأحد، وأما المنازعة فى بيان الحق فمأمور بها مع الإخلاص وعلامته الفرح بظهور الحق ولو على لسان خصمه، وسواء فى ذلك ما يرجع لشأن الحرب وغير ذلك { فتفشلوا } تكسلوا جبنا أو اغتياظا منصوب فى جواب النهى، أو مجزوم بالعطف أى فلا تفشلوا، ويدل له أنه قرئ { وتذهب } ريحكم بالجزم، والمشهور وهو قراءة نافع النصب على أن تفشلوا منصوب، وعلى جزمه يكون نصب تذهب على المعية فى جواب النهى { ريحكم } دولتكم الشبيهة بالريح لجامع النفاذ، أو الريح الحقيقية فإنه لا نصر للمؤمنين إلا بريح تهب من الله إلى جهة المؤمنين فتذهب منهم إلى العدو وتضرب وجهه، وعنه صلى الله عليه وسلم:

" نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور "

অজানা পৃষ্ঠা