572

[8.11]

{ إذ } اذكر إذ أو ظرف متعلق بالنصر، ولا خلاف فى جواز إعمال المصدر المعرف بأل فى الظرف، أو بدل ثان من إذ على جواز تعدد البدل والمبدل منه، حينئذ لا يكون فى حكم السقوط، أو يتعلق بجعل أو فى قوله: من عند لنيابته عن ثبت أو ثابت { يغشيكم النعاس } أو يجعل الله النعاس غاشيا لكم ومحيطا بكم { أمنة منه } ثابتة منه، والنصب على التعليل على أن أمنة مصدر حذفت زوائده، أو اسم مصدر، والأصل التأمين، أو الإيمان بمعنى جعله إياهم آمنين غير خائفين فقد اتحد فاعل الإغشاء والإيمان أو التأمين. أو يضمن يغشيكم النعاس معنى يجعلكم تنعسون فيكون أمنة على ظاهره مصدرا للثلاثى، فيحتمل فاعل النعاس وفاعل الأمن، والمعنى أن الله أنزل عليهم النعاس فى وقت لا يعتاد فإن الخائف على نفسه فى وقت حضور العدو وقتاله لا ينام، فإيقاع النوم عليهم إزالة للخوف، وذلك فى حكم المعجزة، إذ وقع النوم على عدد كثير فى وقت واحد مع الخوف الشديد، ولم أقل معجزة لأن ذلك لم يقع فى معرض التحدى، ويقال: خافوا وعطشوا فألقى الله عليهم نوما زال به عطشهم وخوفهم، وتمكنوا به من قتال عدوهم فهو نعمة لهم، وكان خفيفا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: النعاس فى القتال أمنة من الله عز وجل وفى الصلاة وسوسة من الشيطان { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } من الأنجاس والجنابة والأحداث كمس العورة وريح الدبر { ويذهب عنكم رجز الشيطان } وسوسته بأنكم عطشتم وعدوكم على الماء، وإنكم لا تغلبون عدوكم إذ عطشتم، وغلبكم المشركون على الماء وتصلون مجنبين محدثين، وأنتم تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد أنزل الله الاحتلام على أكثرهم، وعن قليل يقتلكم العدو ويأسرون من أرادوا أسره لضعفكم بالعطش وقلتكم، فأشفقوا فأنزل الله الماء ليتطهروا به، ولنزول الوسوسة عليهم، فحفروا الأحواض من ماء المطر وتطهروا أو سقوا الركاب وشربوا وتلبد الرمل الذى بينهم وبين العدو، وكانت الأقدام تسوخ فيه قبل المطر، وقيل: رجز الشيطان الجنابة، أضيفت إليه لأنها من تخيله، ولذلك سميت رجزا، ولا يقال: يلزم فى هذا القول التكرار لأنا نقول: الجملة الثانية تعليل للأولى، والمعنى طهركم من الجنابة لأنها من رجز الشيطان وتخييله، ويبحث التعليل لا تقيده الثانية إذ لم تسق مساقه { وليربط على قلوبكم } يشد عليها بتقويتها باليقين والصبر وانتفاء الوسواس وجعل إنزال الماء سببا لذلك حتى قيل: يربط على قلوبكم بإنزال الماء، وعلى للإيذان بأن القوة بلغت فى الكمال حتى كأنها استولت على القلوب وارتفعت عليها، وهذا أولى من أن تكون على صلة، وأن المراد وليربط قلوبكم { ويثبت به } بالماء { الأقدام } عن أن تسوخ فى الرمل، فإن المشى فيه مع دخول الأقدام فيه عسر، وأيضا فى تلبيده إزالة الغبرة المشوشة، أو الهاء للربط على القلوب فيكون المراد تثبيت القلوب فى المعركة على طريق الكناية أو تثبيت الأرجل فيها فلا تخرج عنها.

[8.12]

{ إذ } متعلق بيثبت، أو بدل من البدل، أو بدل ثالث على القول بجواز تعدد البدل أو الإبدال من البدل، ويقدر اذكر إذ، وإذا علق بيثبت تعين عود الهاء إلى الربط { يوحى ربك إلى الملائكة } الذين حضروا بدرا { أنى معكم } فى تثبيت المسلمين وإعانتهم، والتزلزل بالكفار وترهيبهم، ومصدر الاستقرار مفعول يوحى، أى يوحى ربك إلى الملائكة ثبوته معكم { فثبتوا الذين آمنوا } بإلهام أن الله ينصرهم، وبالظهور فى جهة المسلمين فى صور الرجال يأنس بكم المؤمنون، ويرعب منكم الكافرون، وبالكلام بأن يمشوا أمام الصف، ويقولوا أبشروا بنصر الله، وبأن يقولوا ذلك فى الصف، ويقول القائل منهم سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن. وفسر قوله: إنى معكم، أو قوله: ثبتوا بقوله { سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب } الخوف من المسلمين، ولا دليل فى ذلك على أن الملائكة قاتلوا يوم بدر، بل الدليل فى قوله { فاضربوا } أيها المؤمنون، خطاب من الملائكة ذكره الله تعالى لنا { فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } لأن كون الله مع الملائكة لا يتعين أنه معهم فى قتال يكون منهم لجواز أن يكون الخطاب فى قوله أنى معكم للمؤمنين، فيكون مقتضى الظاهر: إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى مع المؤمنين فثبتوهم سألقى إلخ...

ولما صرف الكلام لخطاب المؤمنين أظهر الذين آمنوا فى قوله فثبتوا الذين آمنوا، وعلى هذا التفسير يكون قوله تعالى: فاضربوا خطابا للملائكة أيضا كالتفسير الأول، لا للمؤمنين فيبعد دعوى أنه خطاب للمؤمنين، وأن المعنى: لقنوا أيها الملائكة المؤمنين أنى ألقى الرعب، وأن يضربوا فوق الأعناق إلخ.. فيكون الضاربون المؤمنين لا الملائكة. ولا تتقوى هذه الدعوى بقوله: معكم، من حيث إن المعية للخائف، ولا خوف للملائكة، لأن المعية لا تختص بالخوف، ولا تترجح فيه، بل هى لمطلق الإعانة، وكذا دعوى أنه خاطب الله من شاء لأنه لا غائب عنه، وحق أنه لا غائب عنه، ولكن لا تفسر الآية به، وفوق إما مفعول لأضرب ومعناه الرأس، أو ما اتصل من الأعناق بالرأس وهو أعلاها، على أنه يلزم الظرفية، وإما ظرف، أى أوقعو الضرب فوق الأعناق، والذى فوقها هو الرءوس، أو يقدر اضربوهم فوق الأعناق وهو أعلى العنق. والبنان رءوس الأصابع فى اليد والرجل، أو المفاصل والواحد بنانة، وخصها بعض باليد، وقيل: نفس الأصابع، وإنها سميت لأن بها إصلاح الأحوال من أبن بالمقام وبن به أى أقام، ولذلك خص بالذكر فى قوله عز وجل

بلى قادرين على أن نسوى بنانه

[القيامة: 4] وخصت هنا لأن بها القتل. وقيل: المراد هنا باقى الأطراف، قابل بها فوق الأعناق. فعن ابن عباس أنها الجسد كله فى لغة هذيل، والآية توجب أن لا يضرب فى الأدب والحد والنكال والتعزير على القدمين، لأن الله عز وجل أمر بضرب المشركين على البنان لأنه أسرع فى القتل، والمضروب للأدب أو نحوه لا يقصد إلى قتله، والبنان أصابع القدمين واليدين، وهب أنها المفاصل ففى القدمين اجتمعت مفاصل البدن كله، وكذا إن قلنا أنها الأطراف فأصابع القدمين مثلا من الأطراف، والقول بأن البنان الجسد كله غير مقبول، وإن قيل أنه لغة هذيل فلسنا نفسر القرآن بلغتهم ما وجدنا لغة قريش، وقد قال الله تعالى

بلى قادرين على أن نسوى بنانه

[القيامة: 4] أى أصابع يديه أو قدميه، فلا يضرب القدمان، والمضرة فى القدمين تصل الرأس والعينين، وكذا المنفعة فيهما، فإذا اضطجعت وجعل إنسانا يكبس قدميك أو بنانهما أسرع إليك النوم، وشهر عن الأطباء أن الحفاء يضعف البصر، ويسقط لشهوة الجماع، والضرب أشد من الحفاء. ورأى طبيب عجمى لا يعرف العربية أكثر لباس الرأس والتهاون بالقدمين فنزع ما فى نفسه وجعله تحت قدميه يشير إلى أن القدمين أحق بتقوية اللباس وأتى بطبيب لسلطان أصابه صداع فأمر بوضع قدميه فى ماء حار، فقال: أين القدمان من الرأس؟ فقال الطبيب: وأين الخصيتان من الرأس؟ وتقرر عند الأطباء أن وضع القدمين فى الماء الساخن يورث النوم، فبين القدمين والرأس اتصال. قال صلى الله عليه وسلم

" غسل القدمين بالماء البارد بعد الخروج من الحمام أمان من الصداع "

অজানা পৃষ্ঠা