570

" سيروا على بركة الله وأبشروا، فإن الله قد وعدنى إحدى الطائفتين، والله لكأنى أنظر إلى مصارع القوم "

وبسطت الكلام على ذلك جدا فى شرح نونية المديح بحول الله وقوته، ولما نجت العير على أن الطائفة الموعود بها هى النفير، وخص العرض لأن عرض البحر أصعب من طوله، وسمى ذلك الموضع بدرا، لأن رجلا اسمه بدر حفر فيه بئرا، ولأن البدر يرى فيها لصفاء مائها، وفيه سوق للعرب، ولما بلغ الخبر أبا جهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة لأجل العير طلع فوق الكعبة فقال: يا أهل مكة.. النجاء النجاء - أى السرعة السرعة - على كل صعب وذلول - أى على أى دابة صعبة أو سهلة - عيركم وأموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبدا، وقد أرسل إليهم أيضا أبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفارى، كما مر، ورأت عاتكة بنت عبد المطلب عمة النبى صلى الله عليه وسلم قبل قدوم ضمضم بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس رضى الله عنه، فقالت له: والله يا أخى، لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتنى، وخشيت أن يدخل على قومك منها شر، فقالت له واستكتمته: رأيت راكبا أقبل على بعير له، حتى وقف بالأبطح، وصرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم فى ثلاث بعد ثلاثة أيام. ودخل المسجد، واتبعه الناس ثم مثل به بعيره على ظهر الكعبة، فصرخ كذلك، ثم على أبى قبيس كذلك، ثم أخذ صخرة فأرسلها تهوى حتى كانت بأسفل الجبل تفرقت ودخلت كل دار فرقة منها. فاستكتمتها كما استكتمته، إلا أنه لقى عتبة بن ربيعة، وكان صديقه، واستكتمه، وذكرها عتبة لابنه، ففشى فى قريش، ودخل العباس المطاف، فقال أبو جهل - لعنه الله - يا أبا الفضل، إذا فرغت من الطواف فأقبل إلينا، فطاف فأقبل إليه، فقال له: يا بن عبدا لمطلب متى حدثت هذه النبيئة فيكم؟ قال: ماذا؟ قال: رؤيا عاتكة ، يا بنى عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تنبأت نساؤكم، فإن مضت الثلاث ولم يكن شئ كتبنا أنكم أكذب بيت فى العرب.

. قال العباس: وأنكرت أن تكون رأت، ولما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا أتتنى وقالت: أقررت هذا الفاسق الخبيث أن يقع فى رجالكم ثم قد تناول نساءكم. فغدوت فى اليوم الثالث من رؤيا عاتكة إلى المسجد لأشتمه، وإنى لأمشى إليه لذلك، وكان خفيفا حديد اللسان، إذ سمع صوت ضمضم يصرخ ببطن الوادى، واقفا على بعيره، وقد جدع أنف بعيره، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد فى أصحابه لا أرى أن تدركوها، الغوث. فشغلنى ذلك عنه، وأسرع الناس ولم يتخلف أحد إلا أبو لهب، أرسل رجلا مكانه { ويريد الله أن يحق الحق } أن يثبت الحق ظاهرا عاليا على الدين كله مشهورا، وإلا فهو ثابت مطلقا { بكلماته } بمعلوماته من أسباب النصر، كنزول الملائكة وإلقاء الرعب بمثل إلقاء الحصى فى الطست وقتالهم إذا أراد الله قتال بعضهم بعضا، أو بآياته المتلوة المنزلة فى هذا الشأن، أو بما قضى من الأسر والقتل والطرح فى البير، ولذلك أمركم بقتال النفير، وصرف عنكم العير، وما طلب العير إلا سفساف أمر، وأين هى من إعلاء الحق { ويقطع دابر الكافرين } يستأصلهم، فإذا قطعت ما لاقاك من الشئ حتى قطعت ما كان منه آخرا فقد عممته بالقطع، ولا يصل إلى قطع آخر الشئ المستقبل إليك وقد قطعت أوله، وصوره أيضا مدبرا فاتصلت بآخره وأهلكته فأوله هنالك أيضا بفراره لأنه انهزام.

[8.8]

{ ليحق الحق } الإسلام المراد إظهار حقيقته، { ويبطل الباطل } الكفر يظهر إبطاله، ولا تكرير بين الآيتين لأن الأولى فى إرادة الله عز وجل ذات الشوكة وإرادتكم غير ذات الشوكة، والثانية بيان لعلة الأمر بذات الشوكة وهو سبب إعزاز الدين، أو الأولى إثبات الموعود من النصر، وا لثانية إظهار الدين. ثم إن إظهار الدين إما بإبراز الدلائل وإما بتقوية رؤساء الحق ، وفى الآية توبيخ بطلب سفساف الأمور وهى العير، وترك العالى وهو قتال النفير وهو خير لهم، فقدره الله عز وجل لهم { ولو كره المجرمون } إحقاق الحق وإبطال الباطل.

[8.9]

{ إذ } بدل من إذ لأن الوعد والاستغاثة وقعا فى زمان متسع، أو مفعول لا ذكر مستأنف، لا متعلق بيحق لأن وقت الاستغاثة قبل وقت إحقاق الحق، ويجاب بأن المضارع ليس للمعنى ولا حكى الماضى به ليكون الأمر كالمشاهد بل للاستقبال فهو مستقبل، وإذ كإذ فى قوله تعالى:

فسوف يعلمون إذ الأغلال

[غافر: 70 - 71] أو إحقاق الحق والاستغاثة به فى وقت واحد، وإنما عبر عن زمان الاستغاثة بإذ نظرا إلى زمان النزول واستقبال الاستحقاق إنما هو باعتبار زمان ما هو غاية له من الفعل المقدر لا باعتبار زمان الاستغاثة { تستغيثون ربكم } تطلبون منه الغوث لكم على المجرمين، تقولون: يا رب انصرنا على عدوك، يدعون بذلك فرادى، أو يدعو النبى صلى الله عليه وسلم ويؤمنون، أو يراد النبى صلى الله عليه وسلم وجمع تعظيما له، روى مسلم عن ابن عباس حدثنى عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلثمائة وبضعة عشر رجلا، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه، يقول: اللهم أنجز لى ما وعدتنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد فى الأرض، فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه من منكبيه، فرده أبو بكر ثم التزمه من ورائه فقال: يا نبى الله كفاك مناشدتك ربك، سينجزك ما وعدك ربك، فأنزل الله عز وجل { إذ تستغيثون ربكم } { فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين } فقتلوا سبعين وأسروا سبعين،

" وروى أنه صلى الله عليه وسلم نام فى العريش ثم انتبه فقال: يا أبا بكر أتاكم نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع "

অজানা পৃষ্ঠা