563

{ إن الذين اتقوا } حذر الشرك والمعاصى { إذا مسهم طائف من الشيطان } ألم بهم أمر كشئ يدور حول الشئ، والمراد الوسوسة بترك طاعة أو من فعل معصية، قيل: أو ما يخطر من ذلك فى القلب، وهو ضعيف لأن هذا الخاطر أيضا من الشيطان، وقيل: الطائف الغضب، والشيطان الجنس كما جمع فى قوله: وإخوانهم، أى إخوان الشياطين، { تذكروا } عقاب الله على ترك الواجب أو على فعل المعصية، وكلا ذلك معصية، وتذكروا ثواب الواجب أو ثواب المستحب فلا يتركوه { فإذا هم مبصرون } مميزون بالتذكر الحق من الباطل، والراجح من المرجوح كمن غشيه غيم أو دخان ثم زال عنه، وهكذا الوسوسة مع القلب، والآية مع عمومها تأكيد لما قبلها فى خصوص النبى صلى الله عليه وسلم على أن الخطاب فى ينزغنك له صلى الله عليه وسلم، وإن جعل لكل من يصلح للخطاب، ففيها أيضا العموم بدليا، كما كان فى هذه شموليا.

[7.202]

{ وإخوانهم } قيل الإخوان الشياطين، والهاءان وواو الجماعة فى يقصرون للجاهلين، أى إخوان الجاهلين، وهم الشياطين يمدون الجاهلين فى الغى، ولا يقصر الجاهلون عن اتباعهم، وقيل: المراد إخوان الشيطان، إن كان المراد فى قوله: من الشيطان، الجنس، فالهاء للشيطان، بمعنى الشياطين، والإخوان الآدميون الذين لم يتقوا الشرك والمعاصى، فالإخوان مذكورون فى مقابلة الذين اتقوا { يمدونهم } الواو للشياطين من عود الضمير على المضاف إليه، والخبر جار على غير ما هو له سببى، والهاء للذين لم يتقوا الشرك والمعاصى المعبر عنهم بالإخوان، وهم آدميون، أى وإخوان الشياطين يمدهم الشياطين، والإمداد الزيادة، أى يزيدونهم، وذلك أصح. وقيل: الضمير الأول للإخوان، والثانى للشياطين أى إخوان الشياطين يمدون الشياطين فالخبر جار على ما هو له أى يمد الشياطين إخوانهم الشياطين بالاتباع { فى الغى } فى الضلال بالتحمل عليه والتزيين، ويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين والهاء للجاهلين أو غير المتقين والواو للإخوان، والمراد الشياطين الذين هم إخوان الجاهلين، أو غير المتقين، يمدون الجاهلين أو غير المتقين، والإخوان الشياطين، والخبر جار على ما هو له حقيقى لا سببى، ويجوز أن تعود الهاءان للشياطين، والواو للإخوان، والإخوان الآدميون الكفار، وهو كالوجه قبله، { ثم لا يقصرون } لا يقلعون عن الغى، بخلاف الإخوة فى الله فإنهم يتمادون بالطاعة والقبول، وعن ابن عباس: الواو للإخوان.

[7.203-204]

{ وإذا لم تأتهم بآية } خارقة للعادة على وجه يقترحونه، بأن أبطأت أو أتيتهم بآية خارقة لا على وجه طلبوه قالوا { لولا اجتبيتها } تحضيض على اختراعها أو جمعها أو أخذها من الله، أو استخراجها، واللفظ ماض، ومعناه المضارع، أو لوم له على عدم اجتبائها فى الماضى، يقال: اجتبى، اخترع أو جمع، يقال: جبيت الماء فى الحوض، أى جمعته، والحوض جابية لأنه جامع للماء، واجتبى الشئ استخرجه وأيضا اجتباه اختاره، وذلك تعنت كقولهم

لن نؤمن لك حتى تفجر...

[الإسراء: 90] الآية. وقولهم: ابعث لنا قصيا وفلانا يشهدان لك، وقولهم: أزل جبال مكة، وأت بمياه، واجعل الصفا ذهبا { قل } يا محمد لهم { إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى } لا شيئا آتى به من عندى، لم يأمرنى به الله فأتبعه وآمر به من معجزة ولا من غيرها نقلية أو عقلية، ليس عندى أن أقول: أنزل آية كذا مما يتلى أو معجزة كذا، { هذا } القرآن { بصائر من ربكم } جمع بصيرة، بمعنى مبصرة، كل آية أو حجة منه ترى بنفسها كما يرى الإنسان بعينه، أسند الرؤية إليها إسنادا مجازيا عقليا، مبالغة كأنها لمبالغة الإرشاد بها رائية على التشبيه البليغ أو الاستعارة. والقرآن بمنزلة البصائر للقلوب، أو ذلك من إطلاق السبب على المسبب، فإنها أسباب لإدراك القلوب التوحيد وأمر الشرع والحجج، أو البصائر استعارة لإرشاد القرآن الخلق إلى إدراك الحقائق { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } سبقت لهم السعادة وأنهم يؤمنون، وهنا تم القول.. وأما قوله تعالى: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } فهو أنسب بمن آمن ولو جاز أن يقصد به الكفرة وحدهم أو مع غيرهم، فيدخل فى القول ولا سيما أنه قيل: نزلت فى السكوت لا فى الصلاة، وهذا هو لمن آمن ويصلى، لا للكفار، وكان الرجل يأتى وهم فى الصلاة فيسألهم كم صليتم، وكم بقى، وكانوا يتكلمون فى الصلاة لحوائجهم، ويسلم بعض على بعض فيها فنزلت الآية، أو نزلت فى استماع القرآن فى الصلاة وفى الخطبة مطلقا، أو خطبة الجمعة، وفيه أن الآية مكية والجمعة مدنية، وإذا فسرت الآية بالخطبة مطلقا أو خطبة الجمعة . فإنما سميت قرآنا لأنها اشتملت على القرآن، والعمل بعموم اللفظ، فيجب الاستماع للقرآن إذا قرئ فى الصلاة أو الخطبة أو فى غيرهما ما دام يفرز الكلام، ولا يجب إن كان لا يفرزه لبعده مثلا.. وكان يسمع همهمة إلا إن كان فى الصلاة ويستمع لقراءة الإمام ولا يقرأ معه، وهذا داخل فى الآية إلا فاتحة الكتاب فلا صلاة للمأموم إلا بها كالإمام والفذ، كما جاء به الحديث مقيدا لإطلاق الآية، وكان ناس يقرءون مع الإمام غير الفاتحة.

. ولما سلم قال: أما آن لكم أن تفقهوا { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } كما أمركم الله، قال جابر بن عبد الله عنه صلى الله عليه وسلم:

" من كان له إمام فقراءته له قراءة.. "

ومثله عن عبادة بن الصامت وعائشة، وروى أبو داود والترمذى عن عبادة ابن الصامت: كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صلاة الفجر، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال:

অজানা পৃষ্ঠা