513

[7.83]

{ فأنجيناه وأهله } أى من آمن به، وهم أربعة عشر من سدوم. وقيل ما آمن به إلا ابنتاه وهما ريشا وغثيا، خرج بهما وطوى الله الأرض لهم حتى وصلوا إبراهيم عليه السلام { إلا امرأته كانت من الغابرين } الباقين فى ديارهم فهلكوا، وكانت كافرة تستر كفرها تسمى واهلة وقيل والهة، وقيل بها سفع، وكأنه لما استثنيت قيل فما حالها فقيل كانت من الغابرين، أعاض جنس البشر الغابرين أو غلب الذكور فلم يقل من الغابرات، ويناسبه أنها تشتد فى إيقاد قومها على اللواط وأنها تخبرهم بمن جاء لوطا من غير أهل البلد، فكأنها ذكر يباشر ذلك.

[7.84]

{ وأمطرنا عليهم } أينما كانوا، ولم يخص الإمطار بأهل القرية إلا أن أهلها أمطر عليهم فقلبت، وقيل قلبت فأمطرت فتكون الحجارة شقت الأرض فى قلبها، وقيل خسف بمن فيها وأمطر من فى خارجها، وكان رجل منهم فى الحرم فرصده حجر أربعين يوما فخرج فوقع عليه، وأمطر قيل فى الشر ومطر عارض ممطرنا فإنه فى الماء، وفى القاموس لا يقال أمطرهم الله تعالى إلا فى العذاب، وفى الصحاح أمطر ومطر سواء إلا أنه كثر الإمطار فى العذاب، وزعم بعض الناس أن الإمطار الإنزال من السماء خيرا أو شرا شيئا فشيئا. ومن أين له الترتيب حتى فسر به كلام الزمخشرى { مطرا } أى أمطرنا عليهم حجارة من سجيل، أى آجر محروق بالنار معجون بالنار والكبريت، نزل متتابعا على كل واحد اسم صاحبه، شبه إرسالها بإنزال المطر لكون كل من السماء، وسماه باسم إنزاله واشتق منه أمطر، فمطر مفعول به لأنه الحجارة ويجوز كونه مفعولا مطلقا على أنه اسم مصدر أى إمطار، أو يقال أن أمطر فى الشر ومطر فى الخير كأوعدنى الشر، ويرده عارض ممطرنا فإنهم عنوا الماء وممطر اسم فاعل أمطر { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، لعله ينزجر بعدهم عن اللواط ومخالفة الرسول، وما قيل عن أبى سعيد الخدرى أن عاملى اللواط ثلاثون رجلا ونيف لا يبلغون أربعين فأهلكهم الله جميعا لأنهم راضون لا ينهون، ضعيف، وأهلكت نساؤهم لأن عذاب الدنيا يعم وإلا فلسن بلائطات، وأيضا يؤتين فى أدبارهن فذلك لواط وأيضا قيل يسحقن، وقد قيل استغنى رجالهم بالرجال والنساء بالنساء، وتحرم المصاهرة باللواط فى النساء والرجال ووطء المرأة فى دبرها بعد تزوجها لا يحلها لمطلقها ثلاثا، ويجب العدة والصداق، ولا يكون اللواط فى الجنة ولا نكاح دبر امرأة فيها، ولا يخطر ببالهم وإن خطر قبحوه ولم يطلبوه وهو أقبح من الزنى فى القبل، ودبر المرأة وقبل المرأة يحل لغير زانية بالتزوج أو التسرى فى الدبر لا وجه لحله، وعن مجاهد لو اغتسل اللائط بكل قطرة نزلت من السماء وكل قطرة من الأرض لم يزل نجسا جنبا، أراد المبالغة لأن جنابته تزول بالاغتسال وإن غسله لا يحط عنه الإثم، وكل قطرة مما اغتسل به سيئة إن اغتسل بلا توبة، ولكن السحاق وسائر الزنى كذلك فلعله أراد أن حدث الجنابة لا يرتفع عنه بالغسل إلا إن قدم عنه توبة عن اللواط وغيره ليس كذلك.

[7.85]

{ وإلى مدين } قبيلة سميت باسم جدها مدين بن إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم، لا كما قيل اسم قرية، وإن التقدير وإلى أهل مدين لعدم الداعى إلى الحذف مع صحة الاستغناء عنه كما فى سائر القصص، وأيضا سميت بلدته باسمه، وسميت أولاده به فليحمل على أولاده لأنهم أنسب، وقيل اسم ماء كانوا عليه { أخاهم شعيبا } هو ابن ميكيل بن يشجر ابن مدين بن إبراهيم وقيل: شعيب بن ثويب ابن مدين، وقيل شعيب بن شيرون بن مدين وبعض يقول ميكائيل، وقيل هو ابن يشجر من لاوى بن يعقوب، وهو تصغير شعب بفتح فإسكان اسم جبل أو بكسر فإسكان وهو الطريق فى الجبل، والصحيح أنه مرتجل، وأسماء الأنبياء لا تصغر بعد الوضع، وأما قبله هكذا فجائز، ويقال ميكائيل هى بنت لوط عليه السلام وقيل إسحاق. هو يثروب بن عيفاء ابن ثويب بباءين موحدتين بن جعفر ويقال هو أعمى بلا عكاز، فإن صح فعماه بعد النبوءة والرسالة لأن كل نبى سالم من منفر، ومرض أيوب بعد النبوة، وشعيب بعث إلى أمتين إلى مدين فأخذوا بالصيحة وإلى الأيكة فأخذوا بعذاب يوم الظلة، وهو حديث موقوف، وقيل مرفوع، وكلتا الأمتين وعظت بوفاء الكيل، وقيل أرسل إلى أصحاب الرسل فهو إلى ثلاثة ولا رسول إلى قوم فأهلكوا ثم إلى آخرين فأهلكوا إلا شعيبا، ويقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، كما فى رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يشكل على التسمية أن غيره أيضا حسن المراجعة لقومه لأن النكت لا تتزاحم، ووجه التسمية لا يوجبها، ولعل له فى حسن المراجعة زيادة على غيره، ولا يبعد أن يكون فى المفضول شئ ليس فى الفاضل.

{ قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } يتضمن هذا أمرهم بالتوحيد لأنه لا وجه لعبادته إلا بعد التوحيد، ولأنه قال ما لكم من إله غيره، وكأنه قال: قولوا لا إله إلا الله، وكأنهم قالوا: ما دليلك؟ فقال { قد جاءتكم بينة من ربكم } أى ستجيئكم ولا بد، فكأنها قد جاءت ولم يذكرها الله عز وجل فى القرآن كما لم يذكر أكثر معجزات رسول الله، أو هى عصا موسى إذ قال له شعيب خذ إحدى هؤلاء العصيان فأخذها فقال له شعيب ردها، وخذ غيرها فردها فتناول الأخذ فما تناول إلا إياها سبع مرات، فقال شعيب: خذها، فمضى بها للرعى فأكلت تنينا فى مرعاهم كان يمنعهم، وهى عصا آدم وإخباره موسى أن غنم رعيك تلد كل واحدة ولدا أسود الرأس أبيض باقى الجسد، فكان كذلك كافيا ذلك كله وما أشبهه. وقوم شعيب عالمون به، وذلك قبل هلاكهم فذلك معجزة له وإرهاص أى تمهيد لرسالة موسى، وإن كان موسى اتصل بشعيب بعد هلاك قوم شعيب فهى إرهاص فقط لموسى عليهما السلام، وتعنى المعتزلة الإرهاص باطل محجوج، وقيل بينته هو قوله أوفوا الكيل إلخ، كأنه لما قال ما لم يقله أحد لزم أن يعلموا أن ذلك من جنس ما يأتى من الله، أو قوله ما لكم من إله غيره { فأوفوا } العطف على اعبدوا أو على جاءتكم إلخ، والتفريع بالفاء صالح فى كل، والمعجزة لا يلزم ذكرها فى القرآن وهى موجودة، وقيل هى نفس شعيب، وهو خطأ وقيل عصا موسى إذ أعطاه إياها شعيب وقتلت ثعبانا فى مرعى مهجور لأجله وولادة غنمه الدرع خاصة، ووقوع العصا فى يد موسى سبع مرات مريدا لغيرها فى ست، قلت: هذا تمهيد لرسالة موسى عليه السلام، إذ نبوءته بعد ذلك، لا معجزة لشعيب إذ لا معارض له حينئذ يستظهر بذلك عليه، إلا أنه لا مانع من وقوع معجزة فى غير محل المعارضة، على أنه تذكر لمن عارض قبل أو بعد، ولا يصح ما قيل: إن المعجزة أوفوا إلخ.

. ولا أنها الموعظة، ولا أنه تصح الرسالة بلا معجزة، ولا يظهر ما قيل أن كلام الملائكة لمريم تمهيد لرسالة عيسى، ولا معجزة لزكريا بل تفريع لها وتسهيل للأمر عليها { الكيل والميزان } أتموهما، وكانوا ينقصونهما، دخل الشيخ يوسف بن إبراهيم فى حجة مدين فوقف على بائع ينقص فضربه فى فقاه، وقرأ له الآية، فالتفت إليه فقال: نزلت فينا والله يا مغربى، والميزان مصدر ميمى، أى الكيل والوزن، وصح الكلام بلا حذف، ولا حاجة إلى جعل الميزان اسم آلة ورد الكيل إليه بتقدير مضاف، أى آلة الكيل، أو بجعله بمعنى آلة الكيل، ثم تذكرت أن فى هود المكيال والميزان فناسب الآلة، لكن المتعارف الأمر بإيفاء الكيل والوزن، لا بإيفاء آلة الكيل والوزن، فالمكيال والميزان فى سورة هود المعنى المصدرى، فنقول: الكيل هنا على معنى المصدر، وكذا الميزان كالميعاد بمعنى الوعد { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } ولا تنقصوا أموالهم بتحقيرها، وبالأخذ من كل ما يباع، أو من بعضه، وبالاحتيال لها والرشا، وبالغضب أو القهر على البيع بما أرادوا { ولا تفسدوا فى الأرض } بالشرك والمعاصى فى حق الله و حق غيره { بعد إصلاحها } بعد إصلاح أمرها، أو بعد إصلاح فيها بإزالة المفاسد بالأنبياء والشرائع. { ذلكم } أى ما ذكر من عبادة الله، ومن الإيفاء والإتمام وترك البخس والإفساد { خير لكم } أى نفع لكم فى الدنيا بنماء الأموال، وأن تعرفوا بالوفاء فيكثر معاملوكم وقاصدوكم. وفى الآخرة بالثواب، أو أفضل لكم من غيره على اعتبار أن فيما يفعلون مما يخالف الشرع فضلا دنيويا { إن كنتم مؤمنين } بما جئت به ظهر لكم الخيرية. وهذا أولى من تقدير إن كنتم مريدين للإيمان فبادروا إليه. وقيل: الإيمان لغوى، أى إن كنتم مصدقين لى فيما قلت.

[7.86]

{ ولا تقعدوا بكل صراط } فى طريق من طرق الأرض. وكانوا يعقدون فى كل طريق أمكنهم، والمراد عموم السلب. (توعدون) حال، أى تخوفون الناس بأخذ متاعهم وثيابهم والمكس منهم، وكل ما أمكنهم من السوء، كما دل عليه خلاف المعمول للعموم، فهذا أولى من أن ينازع تصد فى من آمن على إعمال تصدون من قوله { وتصدون عن سبيل الله من آمن به } أى من آمن بالله أو بسبيل الله تطالبونه بالارتداد، وتصدون من أراد الإيمان وتقولون إن لم ترتد عن الإيمان به، أو إن آمنت قتلناك { وتبغونها } أى الصراط المعنوية التى هى الديانة، والمذكور قيل هى الصراط المحسة، فذلك استخدام، وإن رجعنا الضمير لسبيل بحسب الظاهر ففيه استخدام أيضا، لأن السبيل المذكورة سبيل الله وها لغيرها، إلا أن يقال: تبغون مضمن معنى تجعلون، أى تجعلون سبيل الله { عوجا } ذات عوج، أو معوجة، أى تنسبونها بالعوج، وتصفون للناس أنها عوج ، أو تجعلون بدلها عوجا، ومن عوجهم أنهم يأخذون دراهم من دخل بلادهم غريبا ويقولون أنها زيوف، فيقطعونها فيأخذونها بنقصان، أو أعطوه بها زيوفا، ويجوز أن يراد بكل صراط طرق عين الحق، وعليه فسبيل الله ظاهر موضع المضمر، وأن كل مسألة منه طريق للحق، فهم مجتهدون فى المنع عن دين الله كل اجتهاد، كلما علموا بجرى أحد على مسألة من مسائل دين الله منعوه عنها، وكلما رأوا أحدا يريد الإيمان بشعيب منعوه وخوفوه بالقتل أو غيره، وقالوا: احذر أن يفتنك عن دينك، فإنه أفضل من دينه، ولا ضعف فى ذلك كما توهم بعض أن المتعارف اكتفاؤهم بمنعهم عن الإيمان، وذلك عن طريق التمثيل، كقوله تعالى

অজানা পৃষ্ঠা