512

{ فتولى } ذهب { عنهم } ظاهره أن التولى عقب إصباحهم جاثمين، وشهر خلاف هذا كما مر، فلعل الفاء بمعنى الواو أو لما قرب جثوهم، وقد أخذت فيهم مقدماته من الصفرة والحمرة والسواد وجعله كأنه واقع بمجفرة، ويجوز العطف على قالوا { وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى } أفرد الرسالة لفظا والمراد الجنس، أو الاستغراق العرفى أى ما أرسلنى به الله كله أو أراد كلمة التوحيد { ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } هذا ظاهر فى أن توليه عنهم قبل موتهم لأن الخطاب يكون للأحياء ولكن لا مانع من خطابهم موتى فيسمعون ولا يردون الجواب كما سمع أهل القليب خطاب رسول الله، وقال يسمعونى ولا يقدرون على رد الجواب، إذ قال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا، أو خاطبهم صالح تحسرا عليهم، لا ليردوا الجواب، وفى ذلك بعض تسلية له، ولما قتلت الناقة قالوا لصالح أدرك الناقة فقد عقرت، واعتذروا إليه وقالوا قتلها فلان وفلان، لا يحيا يا نبى الله، ولحق صالح عليه السلام بالفصيل فبكى حتى سالت دموعه لرؤبة صالح.

[7.80-81]

{ ولوطا } اذكر لوطا، وإذ بدل اشتمال، أى واذكر لوطا وقت قوله أو متعلق برسالة أى واذكر رسالة لوط إذ قال، وفيه حذف المصدر وبقاء معموله، وفيه أن الرسالة ليست فى وقت قوله، وإلا قيل كنظائره، ولوط، إلى قومه فقال، وصرح بعض بجواز نصبه بأرسلنا ولوط ابن هارازبن تاريخ وهو آزر فلوط بن أخى إبراهيم وإبراهيم عمه، كان هو وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام بالعراق فهاجرا إلى الشام فنزل إبراهيم بفلسطين ولوط بالأردن أرسله الله إلى أهل سدوم وأقام فيهم ثلاثين سنة يعظهم، قيل هو بلد بحمص، وسمى لوط لأن حبه لاط بقلب عمه إبراهيم، أى التصق به من قبل النبوة وبعدها، وكان معينا له.

{ إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة } الزنى بأدبار الرجال سمى فحشا لشدة قبحه، وبخهم عليها وقرعهم بصورة الاستفهام وزادهم توبيخا بأنهم أول من فعلها إذ قال مستأنفا للإنكار عليهم { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } وإما أن يقال كأنهم قالوا لم لا نأتى ذلك فقال لا تفعلوا لأنه ما سبقكم بها من أحد من العالمين فضعيف. لأنه بصورة لو سبقكم أحد بها لجازت لكن يجوز جعلها حالا من الفاحشة، أو حال من الواو ومن حين يأتون كان الذكر من الحيوان يجامع الذكر منها فى الدبر لا قبل ووبخهم ثالثا بقوله عز وجل:

{ إنكم لتأتون الرجال } يأتون الكبار والصغار المرد وغيرهم، وقيل يأتون الغلمان والمرد، وعلى كل حال ذكر الرجال تقبيحا لهم بإتيان مثلهم { شهوة من دون النساء } مع زيادة التأكيد بالجملة الاسمية فى ما قالوا، وبأن واللام ومع زيادة بيان الفاحشة بأنها إتيان أدبار الرجل، وشهوة تعليل أى للاشتهاء أو حال وذوى شهوة أو شاهين أى مشتهين أو مفعول مطلق لتضمن تأتى معنى الاشتهاء وذكر من دون النساء مع أنهم يأتون النساء فى أقبالهن زيادة فى التشنيع عليهم بأنهم جاوزوا الحلال إلى موضع حرام ليس محرثا. ومبنى الوطء كف النفس عن الحرام والتناسل لا مجرد قضاء الوطر { بل أنتم قوم مسرفون } إضراب انتقال عن الإخبار بإتيان الفاحشة أو عن توبيخهم عليها إلى الإخبار بأنهم أسرفوا بتلك الفاحشة إلى الإخبار بأنهم ذوو إسراف فى أمورهم حتى أداهم الإسراف إلى تلك الفاحشة، أو إضراب انتقال عن محذوف وهو ضعيف هكذا أما عدلتم بل أنتم إلخ، ولا عذر لكم بل أنتم إلخ، وكأنهم قالوا عدلنا أو نعذر. واللواطة بغيوب الحشفة توجب الرجم للفاعل والمفعول به. أو الإلقاء من شاهق، أو القتل بالسيف ولو بلا إحصان، أو كان عبدا. وبلا غيوبه يعزر أو ينكل والرجم أحق، ويليه القتل بالسيف والالقاء من شاهق ضعيف إذ قد لا يموت، وفيه أيضا عدم إحسان القتلة.

وفى الحديث: أحسنوا القتلة، ويدل للقتل بالسيف قوله صلى الله عليه وسلم

" من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول "

إذ لم يقل ارجموهما، ووجه الرجم أنه أنسب برجم قوم لوط بالحجارة، ولكن لا يلزم لأنه من الله، وقيل: يرجم المحصن كما فعل ابن الزبير بأربعة أحصنوا بعد إخراجهم من الحرم، ويجلد غيره كما فعل هو بثلاثة لم يحصنوا، والجملة سبعة وجدوا فى اللواط وحضره ابن عباس وابن عمر ولم ينكرا عليه، وعن أبى بكر رضى الله عنه أنه أحرق بالنار رجلا عمل عمل قوم لوط، ولعله لم يصح إذ روى النهى عن القتل بالنار أو لا يستمر عليه. وزعم بعض أنه إن لم يحصن أدب وحبس وإنما يؤدب تأديبا فقط من لم يبلغ أو المجنون.

[7.82]

{ وما كان جواب قومه } قدم الخبر للحصر، وهذا هو المحصور فيه، وأما المحصور ففى قوله { إلا أن قالوا } أى رؤساؤهم { أخرجوهم } أخرجوا لوطا ومن آمن معه، وفى النمل أخرجوا آل لوط لأنهم مرة قالوا هذا ومرة قالوا آخر، وليكون ما فى النمل تفسيرا لهذه، وقيل لنزولها قبل سورة الأعراف { من قريتكم } سدوم أكبر قراهم، وفيها أربعة آلاف وأهلكت معها عامور ودومة وساعور، وآمن أهل مزة فلم يهلكوا فهن خمس قرى، { إنهم } أى لوط ومن آمن به { أناس يتطهرون } مجانبون ما نأتيه من اللواط وعبادة الأصنام لأنهم يرونه دنسا، أى ما كان قولهم أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون إلا جوابا لهم، قابلوا نصحه بذلك، واستهزءوا بجعل ذلك المتجنب تطهرا، والحصر إضافى منظور فيه إلى المرة الأخيرة من مرات المحاورة، وقد صدر منهم قبلها أقوال قبيحة وإلى بعض صواب، أى قالوا ذلك لا بعض صواب أو سهولة، وجئ بالواو فى قوله ما كان هنا. وبالفاء فى النمل والعنكبوت لوقوع الاسم قبل هنا والفعل فيهما والتعقيب بالفعل بعد الفعل أنسب دون التعقيب بعد الاسم.

অজানা পৃষ্ঠা