499

وفيه أنه إذا كفرت لم تحتج إلى تكفير آخر، وأولاد الزنى، روى عن ابن عباس، وهو ضعيف إذ الزنى دنب لآبائهم، رأيت هذه الأقوال فى تذكرة القرطبى من نسخة مقابلة على نسخة نسخت من خطه { يعرفون } أى يعرفون أهل الجنة وأهل النار { كلا بسيماهم } علاماتهم من بياض وجوه المؤمنين ونورهم وسواد وجوه الكفرة وظلمتهم، من سام الفرس إذا أرسلها فى المرعى من السيمة بمعنى العلامة لأنهم يعلمون الدابة بعلامة ويسرحونها للمرعى فلا قلب، أو من وسم أى جعل علامة فقدمت السين على الواو وقلبت ياء للكسر فيها ففيها القلب الصرفى والمكانى، وذلك كاف فى المعرفة لا نور للكافر فى وجهه ولا ظلمة للمؤمن يومئذ، وقيل بالإلهام أو بإخبار الملائكة، وهذه السيما زيادة على علامة كونهم فى الجنة وكونهم فى النار لأن ذلك بعد كونهم فيها، ولا مانع من كونه بعد الكون فيهما، ولا حاجة للعلامة بعد الدخول إلا قوله ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة، فبعد الدخول، وذلك بينهم لا مدخل فيه لأهل الأعراف { ونادوا } من الأعراف وهى عالية على الجنة أو سور الجنة شفاف، أو ينادون ولو بلا رؤية { اصحاب الجنة } بعد كونهم فيها { أن سلام عليكم } إخبار لا دعاء لأن أهل الجنة آمنون من المكاره، أو دعاء بالزيادة لهم { لم يدخلوها } أى أصحاب الأعراف حال من الواو أو مستأنف، كأنه قيل ما حال أهل الأعراف فقال لم يدخلوها { وهم يطمعون } فى دخولها، وهذا ينافى أن أهل الأعراف ملائكة أو أنبياء أو شهداء لأنهم موقنون بدخول الجنة لا طامعون، إلا أن يتكلفا قوله يطمعون كما فسر الحسن وأبو على الطمع هنا باليقين، وأيضا لا يلائم ذلك قوله عز وجل

وإذا صرفت أبصارهم

[الأعراف: 47] إلخ، وأيضا هؤلاء يدخلون قبل كل أحد، ولا يعادله ما قيل أنهم يوقفون ليشاهدوا أحوال أهل الجنة وأهل النار ويزيدون لذة وأهل النار حسرة بهم، أو نادى أصحاب الأعراف أهل الجنة قبل دخولها، فقوله لم يدخلوها حال من أصحاب أو مستأنف والواو لأصحاب الجنة الموقنين بدخولها، لكن الإنسان ما لم يتصل بمقصوده يطمع فيه ولو أيقن فيه، أو واو يطمعون لأصحاب الأعراف.

[7.47]

{ وإذا صرفت أبصارهم } صرفها الله قهرا لهم لا بتشبه منهم لأن المكروه لا ينظر إليه قصدا بخلاف نظرهم إلى أهل الجنة فبالرغبة، ولذلك لم يذكر فيه الصرف { تلقاء } جهة { أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا } فى النار { مع القوم الظالمين } أوحى الله إليهم بعد تمام خطابهم لأهل النار: قوموا ادخلوا الجنة فقد غفرت لكم، قاله الحسن، وهو يدل على أنهم أصحاب ذنوب، ولو كانوا أطفالا أو ملائكة لم يقل قد غفرت لكم لأنه لا ذنب لطفل أو ملك.

[7.48-49]

{ ونادى أصحاب الأعراف رجالا } من الكفرة من الأمم كانوا معذبين، وأظهروا للتقرير أو لأن المراد البعض وفيما مر الكل، وكانوا يعرفونهم فى الدنيا أو يعرفون كفارا هناك بعلامة الكفر، ولا يعرفون لهم جموعا { يعرفونهم بسيماهم } مثل أن يقولوا من هذه الأمة يا أبا جهل يا أبا لهب يا أبا الوليد يا وليد بن المغيرة وكأنه قيل ماذا قالوا بعد ندائهم فقال { قالوا ما أغنى عنكم جمعكم } ما نافية أو استفهامية توبيخية واقعة على العذاب أو الأغنياء، أى أى عذاب أو أى غناء أغنى عنكم جمعكم جماعتكم أو جمعكم المال أو جمعكم الأصحاب والأعوان، وعطف على جمعكم قوله { وما كنتم تستكبرون } أى كونكم تستكبرون عن الإيمان أو على الحق، ومن جملة ما قالوا قوله { أهؤلاء } إشارة إلى جماعة من ضعفاء المسلمين وفقرائهم كبلال وصهيب وسلمان، وهو مبتدأ خبره قوله { الذين أقسمتم } وجواب القسم قوله { لا ينالهم الله برحمة } كان الكفار فى الدنيا يقولون فى مثل بلال وصهيب وسلمان رضى الله عنهم ممن عدوه ضعيفا واحتقروه: والله لا يدخلون الجنة، وحذف الحال عاملا فى قوله { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } أى مقولا لهم ادخلوا إلخ. إن كان القول قبل الدخول، ودوموا فى كونكم فيها بعد دخولها إن كان القول بعد الدخول، فمقول حال من الذين والذين تابع لهؤلاء والخبر نقول بالرفع والقائل الملائكة عن الله، أو تقول الملائكة عن الله عز وجل فى شأن أصحاب الأعراف للكفار أهؤلاء الذين هم أصحاب الأعراف قيل لهم أو مقول لهم أو مقولا لهم ادخلوا يا أصحاب الأعراف الجنة إلخ. ولما عير أصحاب الأعراف أهل النار أقسموا أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة فقال الله لهم { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } وهم أهل الأعراف ادخلوا الجنة يا أهل الأعراف لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، أو بقوله أصحاب الأعراف بعض لبعض.

[7.50-51]

{ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء } شيئا تافها من الماء أو بعض الماء أو أفيضوا من الماء شيئا، والإفاضة على الشئ تكون مما فوقه أو مما معه لكن منحدر إليه، والمراد الأول، ولو كان فيهما استعلاء فالجنة فوق النار { أو مما رزقكم الله } من فى الموضعين للبيان أو للتبعيض أو للابتداء، ووجه البيان أن المراد الحقيقة لا الاستغراق فإنهم لا يطلبون إفاضة الماء كله، والمائعات كلها، والمراد بما رزقهم الله اللبن والعسل والخمر ونحو ذلك من المائعات بدليل الإفاضة، أو نوع الطعام فاقتصروا على الماء من المائعات لأنه هو الذى يشتاق عند العطش الاشتياق الشديد، وعلى هذا يقدر أو ألقوا علينا مما رزقكم الله أو أنفقونا أو أطعمونا مما رزقكم الله، أو يضمن فيقول معنى القول فيعم الماء والطعام، والظاهر إبقاء أو على حالها فما طلبوا إلا أحد الشيئين لإياسهم واستبعاد أن يساعدوا إلى ما طلبوا، ولا مانع من جواز أنهم طلبوا قبل إياسهم واقتصروا على الماء ليتدرجوا إلى غيره، ويجوز أن تكون بمعنى الواو، قال ابن عباس رضى الله عنهما ينادى الرجل أباه أو أخاه أو قريبه أو صاحبه أو غيره، قد احترقت أفض على من الماء أو مما رزقكم الله، فيقال لهم أجيبوهم فيقولون ما ذكر الله عز وجل فى قوله { قالوا إن الله حرمهما } منعهما وليس التحريم هنا مقابلا للفرض والكراهة والندب والإباحة لأنه لا تكليف يومئذ، وفى ذلك تشبيه حالهم مع شراب الجنة وطعامها مثلا بحال من كلف تحريم ما حرم عليه وهو أشد فى المنع، فذلك استعارة تمثيلية، أو التحريم لغوى فالاستعارة فى تثنية الضمير تقوية لكون أو بمعنى الواو وعلى إبقائها على أصلها يكون المعنى حرم كلا منهما { على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } لقدم الفرق بينهما فى أقوال منها أن اللهو صرف الهم بما لا يحسن الصرف به، واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلبه به، وذلك كتحريم البحيرة والتصدية وهى التصفيق والمكاء وهو الصفير { وغرتهم الحياة الدنيا } بأن طمعوا فى طول العمر ونيل اللذات، وهنا تم كلام أهل الجنة، وقيل تم بقوله حرمهما على الكافرين. وعلى الأول فالذى مبتدأ خبره فاليوم ننساهم.

{ فاليوم ننساهم } نتركهم فى النار، كما يبعد حضور ما زال عن الحافظة فإن عدم تذكرك شيئا أعظم فى تركه من حضوره فى قلبك مع تركه، تعالى الله عن صفات الخلق ففى ذلك استعارة تمثيلية وذلك أشد تأكيدا من تفسيره بالترك هكذا، وقيل ننساهم نؤخرهم، وكذا فى قوله { كما نسوا } بترك الإيمان والعمل الصالح والتقوى { لقاء يومهم } يوم القيامة { هذا } شبه معاملته تعالى مع الكفار بمعاملة من لم يتذكر أن يفعل الخير فى عبده ولم يلتفت إليه وشبه عدم إخطارهم لقاء الله ببالهم عدم مبالاتهم بحال من عرف شيئا وزال عن حافظته على حد ما مر، وحاصل التشبيه نتركهم فى النار تركا دائما كما داموا على إنكار الآيات، ويجوز أن تكون للتعليل { وما كانوا } ما مصدرية أى وكونهم { بآياتنا يجحدون } أنها من الله عز وجل، وقيل الجحود بمعنى النسيان.

অজানা পৃষ্ঠা