474

[6.158]

{ هل ينظرون } أى ما ينتظر أهل مكة، فهذا من النظر الثلاثى بمعنى الانتظار الخملى، وأهل مكة لم يعتقدوا انتظار الملائكة للعذاب وإن اعتقدوا أن الموت بالملائكة فليسوا فى مراقبة ذلك، ولم يعتقدوا أيضا إتيان آيات الله بأوامره، ولا إيمان لهم بيوم القيامة وما فيه، لكن لما كان يلحقهم ذلك لا محالة شبهوا بمن ينتظره واعتقده كأنه قبل فما يستحقون إلا نزول ذلك حين أنزلت الكتاب فلم يؤمنوا، وقيل الواو للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه والحصر إضافى منظور فيه إلى الإيمان، أى إنما يقع بهم أحد هؤلاء الأشياء لا الإيمان، فإنه لا يتأتى منهم. وهل للإنكار وهو نفى وكأنه قيل لا ينتظرون، وأنكر الرضى مجيئها للإنكار وأقرانها للتقرير والأول المشهور وعليه الجمهور { إلا أن تأتيهم } هذا الضمير لكفار مكة { الملائكة أو يأتى ربك أو يأتى بعض آيات ربك } والعاقل لا ينتظر العذاب انتظار الميل بل انتظار توقع مكروه، لكن شبهوا لإصرارهم على موجبه بمن ينتظره والجامع الترتيب، والمراد بإتيان الملائكة إتيانهم لقبض أرواحهم أو لتعذيبهم، ومعنى إتيان الرب إتيان أمره بالعذاب أو أمر هو عذابه، أو إتيان الرب إتيان آياته كلها: آيات القيامة والعذاب والهلاك الكلى، والمراد بإتيان بعض الآيات علاماته الدالة على الساعة، قال حذيفة والبراء بن عازب رضى الله عنهما: كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

" ما تذاكرون قلنا نتذاكر الساعة. قال إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفا بالمشرق وخسفا بالمغرب وخسفا بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ونار تخرج من عدن وجزيرة العرب ما أحاط به بحر فارس وبحر السودان ونهر دجلة ونهر الفرات "

قيل بعض آيات ربك الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها، وإتيان الأمر والآيات مجاز استعارى لأنه حقيقة فى الأجسام { يوم يأتى بعض آيات ربك } طلوع الشمس من مغربها كما فى الصحيحين عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم:

" لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها "

، وهو طلوع واحد، وزعم بعض أنها تطلع من المغرب ثلاثة أيام، ويقال تطلع إلى خط نصف النهار وترجع، ونحن آمنا بطلوعها ولا يعرفون ما هو ولا أعرف أنا ما هو فإن المغارب والمطالع لا يحصيها إلا الله، وتغيب فى موضع وتطلع فى موضع فإذا غربت عنا فى بلدنا، فهى طالعة فى غير بلدنا، فلو طلعت علينا فى مغربنا لم تكن طالعة فى المشرق الأقصى وقس على ذلك. ويقال تدور بقطب الشمال، ويقال تصل إليه ثم ترجع ولا نفهم ذلك فإنها حينئذ ليست يراها كل أحد حال طلوعها أيضا، ولعلها تغرب فى البحر المحيط بحيث تبعد جدا حتى لا يراها من عند المحيط المغربى ولا يرى ضوءها أهل المشرق ولا أهل المغرب ولا أهل الجنوب ولا أهل الشمال، ويطلعها الله فوق السماء السابعة تحت العرش فقد غابت عن الناس كلهم، بعضهم غابت عنه أكثر من ليل ويتفاوتون فتطلع على أهل الدنيا كلهم بمرة لارتفاع محلها فقد صارت الدنيا كلها ليلا ثم صارت كلها نهارا ثم تكون كعادتها.

وفى البيهقى أن أول الايات ظهور الدجال ثم نزول عيسى ثم خروج يأجوج ومأجوج ثم خروج الدابة ثم طلوع الشمس من مغربها، وهو أول الآيات العظام المؤذنة بتغيير أحوال العالم العلوى، وذلك أن الكفار يسلمون فى زمن عيسى عليه السلام ولا ينفع الكفار إيمانهم أيام عيسى، ويصير الدين واحدا فإذا قبض عيسى ومن معه من المسلمين رجع أكثرهم إلى الكفر، فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من على الأرض وذلك حين لا ينفع الإيمان النفس التى لم تؤمن من قبل ولا النفس التى آمنت قبل وأصرت على المعاصى ولا ينفعها عملها الصالح بعد كما قال الله عز وجل { لا ينفع نفسا إيمانها } توحيدها { لم تكن آمنت من قبل } الجملة نعت لنفسا مفصول بالفاعل، وجاز ذلك لأن عاملها واحد وهو ينفع، أو حال من المضاف إليه لأن المضاف مصدر يصلح للعمل لا مستأنفة كما قيل لأنه جئ بها قيدا { أو كسبت فى إيمانها خيرا } طاعة وتوبة عطف على آمنت فهو منفى، وأو للتنويع فكأنه قيل أو لم تكن كسبت فى إيمانها خيرا لأن آمنت منفى بلم تكن والمعطوف على المنفى منفى، وقوله في إيمانها صريح فى أنها آمنت، والمعنى فى توحيدها، فالناس الذين لا ينفعهم إيمانهم يوم طلوع الشمس من مغربها نوعان: الأول مشرك وحد لطلوع الشمس والآخر موحد من قبل طلوعها لكنه منهمك فى المعاصى غير تائب، وذلك كالإيمان عند الغرغرة والمشاهدة، فلم يكن ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا لأنهم إنما كلفوا بالإيمان بالغيب، وأما إيمان المشاهدة فلا ينفعهم، قال الضحاك: من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه قبل الله منه العمل بعد نزول الآية كما قبل منه قبل، وأما من آمن من شرك أو تاب من معصية عند ظهور هذه الآية فلا يقبل منه لأنها حال اضطرار كما لو أرسل الله عذابا على أمة فآمنوا وصدقوا فإنه لا ينفعهم ذلك لمعاينتهم الأهوال التى تضطرهم إلى الإيمان والتوبة، ويقبل إيمان من لم يبلغ أو ولد بعد فآمن أو أفاق من جنون، وفى الاية دليل لنا وللمعتزلة على أن التوحيد المقرون بالمعصية المصر عليها لا ينفع، كما فى قوله تعالى

ولم يلبسوا إيمانهم بظلم

[الأنعام: 82] فالظلم أعم من الشرك لهذه الاية وهو مذهب المحدثين من قومنا أيضا، والأشعرية عطفوا كسبت على لم تكن فيكون المعنى لا ينفع الإيمان الحادث فى يوم الطلوع نفسا لم تؤمن قبل أو آمنت بعد ظهور الآيات وكسبت فى إيمانها الحادث خيرا، وهو باطل لأن مقابل لم تؤمن قبل آمنت قبل، قال الطبرانى بسنده إلى أبى ذر رضى الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما:

" أتدرون أين تذهب هذه الشمس إذا غربت: قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: تذهب إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعى فارجعى من حيث جئت فتصبح طالعة من مطلعها، وهكذا كل يوم فإذا أراد الله أن يطلعها من مغربها حبسها فتقول: يا رب إن مسيرى بعيد. فيقول لها: اطلعى من حيث غربت، فقال الناس: يا رسول الله هل لذلك من آية؟ قال: آية تلك الليلة أن تطول قدر ثلاث ليال فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون ثم يقضون صلاتهم والليل مكانه لم ينقص ثم يأتون مضاجعهم فينامون حتى إذا استيقظوا والليل مكانه، خافوا أن يكون ذلك بين يدى أمر عظيم، فإذا أصبحوا طال عليهم طلوع الشمس، فبينما هم ينتظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب "

অজানা পৃষ্ঠা