473

وتلك حجتنا

[الأنعام: 83] ولا دليل عليه هنا، ويبعده الفصل، ونصب تفصيلا وهدى ورحمة على حد نصب تماما، والمراد بتفصيل كل شئ بيان كل شئ يحتاج إليه فى الدين لا كل شئ على الإطلاق وما فيه من الزيادة على الدين فتبع له، مع أنها ليست عامة، والمشهور اختصاص هذه الأمة المحمدية بالاجتهاد، وقيل به أيضا لغيرهم، والأول أصح، اللهم إلا إن كان اجتهادهم بالقياس فيما يعلم من الدين ويفهم منه فهما جليا كأنه ضرورى، ولا دلالة فى الآية على أنه لا اجتهاد فى دين موسى عليه السلام. وعن مجاهد: لما ألقى موسى الألواح بقى الهدى والرحمة وذهب التفضيل، والظاهر دوامه إلا أنهم غيروا { لعلهم } أى بنى إسرائيل المدلول عليهم بموسى وكتابه { بلقاء ربهم } قدم للفاصلة وعلى طريق الاهتمام، ولقاؤه تعالى حضورهم المحشر بالبعث للجزاء، ويقال الرجوع إلى ملك الرب وحده ولا يملك أحد معه شيئا، فإن الناس فى الدنيا فى صورة المالكين، ويقال كى يؤمنوا بالبعث والجزاء { يؤمنون } وترجية الإيمان بالبعث فيهم مما يدل على ركة اعتقادهم فى الدين وضعفهم فيه.

[6.155]

{ وهذا } أى القرآن كله ما نزل وما سينزل باعتبار أنه نزل مرة إلى السماء الدنيا أو ما نزل فقط وما سينزل مقيس عليه فى أنه مبارك مصدق فإن كل جزء من أبعاض القرآن قرآن { كتاب } أى عظيم، ولهذا نكر { أنزلناه } كله أو بعضه على ما مر، أو جمع بين الحقيقة وهى إنزال ما نزل والمجاز وهى إنزال ما سينزل، أو من عموم المجاز والجملة خبر ثان { مبارك } خبر ثالث. أو أنزلناه نعت كتاب ومبارك نعت ثان أو خبر ثان، ومعنى مبارك أثبت فيه خير الدنيا والآخرة، وقيل لا يقدم النعت الجملى على الإفرادى { فاتبعوه } اقتدوا به يا أهل مكة أو العرب لكونه من الله ولعظم شأنه، ولأن فيه شرفكم ولأن فيه منافع الدنيا والآخرة ومدافعهما فلا وجه لمخالفته { واتقوا } احذروا الكفر به ومخالفة ما فيه ففيها خسارة الدنيا والآخرة { لعلكم ترحمون } بالإيمان به والعمل بما فيه.

[6.156]

{ أن تقولوا } يوم القيامة لئلا لتقولوا بلام العاقبة أو التعليل فحذر أن تقولوا أو كراهة أن تقولوا، وعامله أنزلناه، ولو فصل بأجنبى وبجمل معترضة أو بأنزلنا محذوفا، أو مفعول لاتقوا أى احذروا أن تقولوا { إنما أنزل الكتاب } حقيقة الكتاب الشاملة للتوراة والزبور والإنجيل، ولم يعهد تسمية الصحف كتابا بل صحفا ولم يذكر كثيرا الزبور لأنه لا أحكام فيه بل مواعظ، { على طائفتين } اليهود والنصارى، وأما الصابئون فداخلون فيهما لأنهم امتازوا بالمواظبة على مستحبات مخصوصات من تلك الكتب من غير أن يتركو فرائضها وأن يفعلوا محرماتها، ولذلك اعتبروا، ولذلك ذكر الله عز وجل أن من آمن من الفرق الثلاثة وعمل صالحا دخل الجنة وبعد بعثته صلى الله عليه وسلم لا يقبل عمل من بلغه خبره ولا يسعه إلا اتباعه، وأما المجوس فلا عبرة بهم إذ لا كتاب لهم، أو كان فأسرعوا فى إبطاله ولم يستمر عليه ولو واحد فلم يعدوا طوائف ثلاثا بل عدوا طائفتين، ولم يذكر غيرهما لشهرتهما بالتوراة والإنجيل والزبور { من قبلنا } إذ سبقونا بالزمان مع أنبيائهم { وإن كنا } الواو للحال من طائفتين أو عاطفة وإن مخففة بدليل اللام فى قوله عز وجل { عن دراستهم لغافلين } وقدم عن دراستهم للاهتمام وللفاصلة، أى الغافلين عن قراءتهم أى لا نعرفها، لأنها بغير لغتنا ولا نعرف مثلها كما لا نعرف خطهم لأنها بالعبرانية وبعضها بالسريانية ونحن عرب لغة وخطا، وأصل الغفلة عدم التنبه لشئ بحيث لو شئ لتنبه له، واستعمل فى عدم المعرفة مطلقا استعارة لجامع عد الإدراك أو مجازا مرسلا للإطلاق والتقييد، ولم يقل عن دراستهما لأن كل طائفة فيها متعددون وقيل دراستهم ما فى قوله تعالى

قل تعالوا أتل

[الأنعام: 151].. إلخ لأن ذلك معان لا تختلف باختلاف الأعصار، كلف بها كل أمة. قطع الله عذرهم بأنهم إذا لم يعرفوا لغة هؤلاء لإنزال القرآن بلغة العرب فليكتبوه بلغتهم وقلمهم ولو لم ينزله عليهم، أو أنزله بغير لغتهم لقالوا لو أنزل علينا وكان بلغتنا لأسرعنا إلى الإيمان به كما قال الله عز وجل.

[6.157]

{ أو تقولوا } لئلا تقولوا أو حذر أن تقولوا على حد ما مر { لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم } من الطائفتين إلى الإيمان والعمل لجودة أفهامنا وعقولنا ندرك من الفنون ومكارم الأخلاق ما لا يدركه العجم، والقصص والأخبار والخطب مع أنا أميون لا نكتب ولا نقرأ كتابا ولا نعاشر من يعرفهما { فقد جاءكم بينة من ربكم } قرآن ونبى بلغتكم وحجج واضحة لا تخفى عنكم، ويقال البينة فيما يعلم سمعا والهدى فيما يعلم عقلا وسمعا { وهدى } لمن لم يهمل النظر فيها، وهو المنتفع بها أو لكل مكلف، وهو أولى لكونه أشد فى التحريض { ورحمة } لمن اتبعها، والفاء عطفت قصة على أخرى أو فى جواب لمحذوف أى إن صدقتم فى كونكم أهدى من الطائفتين لو أنزل عليكم كتاب تفهمونه فقد حصل ما شرطتم للإيمان فلا عذر لكم، أو إن صدقتم فيما كنتم تعتذرون عن أنفسكم فقد جاءكم. أو إن كنتم كما تزعمون أنكم إذا أنزلنا عليكم كتابا تكونون أهدى من الطائفتين فقد جاءكم. أو لا عذر لكم فقد جاءكم، أى لأنه قد جاءكم { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } الفاء عاطفة لجملة اسمية استفهامية على خبرية فعليه وهى قد جاءكم بينة من ربكم، أو يقدر إذا لم تؤمنوا بعد معرفة بعضكم بصحة القرآن وبعد تمكنكم من معرفته فمن أظلم منكم، أى فلا أظلم منكم، ووضع من كذب موضع الكاف { وصدف } أعرض { عنها } أو صرف عنها غيره فإنه يتعدى ويلزم، والأفصح اللزوم بمعنى أعرض فيتعدى بالهمزة نحو أصدف فلانا عن كذا { سنجزى الذين يصدفون } يعرضون أو يصرفون الناس { عن آياتنا سوء العذاب } أى أشده { بما كانوا يصدفون } بسبب كونهم يصدفون.

অজানা পৃষ্ঠা