472

ولم يذكر الفعل لأنه يفهم بالأولى لأنه أقوى من حيث الإنجاز ولو كان دون القول من حيث إثبات الأحكام الشرعية { وبعهد الله } قدم على متعلقة وهو قوله { أوفوا } على طريق الاهتمام، وإضافة عهد إلى الله إضافة مصدر للفاعل أى أوفوا بمقتضى عهده إليكم بتقدير مضاف كما رأيت، أو بمعنى مفعول أى بمعهود الله أى الذى عهده الله إليكم، أو إضافة مصدر لمنصوب على العظمة، أى بمقتضى عهدكم الله أو بمعهودكم الله. وعهد الله إليهم فعل ما ألزمه إياهم وما استحبه وترك ما حرمه أو كرهه، وعهدهم إلى الله ما وعدوا الله من نذر ويمين وطاعة، وما من شأنه أن يفعل الله أو يترك فإن ذلك قامت به الحجة ولو كفروا، أو كأنهم آمنوا أو ألزموه أنفسهم أو المراد العهد يوم ألست بربكم { ذلكم } أى العهد المذكور أو الإيفاء به { وصاكم به } تأكيدا فإن الإيصاء بالشئ أوثق من الأمر به لأنه أضمر وطلب محافظة، ومعنى الإيصاء بالنهى أو المنهى عنه الإيصاء بمراعاته للاجتناب { لعلكم تذكرون } تتعظون وتعملون بمقتضاه، فتمت الآية بتعقلون لأنهم استمروا على ما فيها من الإشراك وما بعده ولم يعقلوا قبح ذلك، وذكر فيها حق الوالدين لأنه أعظم الحقوق بعد التوحيد، فكفرانه يلى كفر الشرك، خلقه الله وقاما به حين كان لا يقدر على شئ. وأما ما فى الثانية من حفظ مال اليتيم وما بعده فقد يقومون ويفتخرون به فأمرهم بتذكره لئلا ينسوه، أو ما فى الأولى ظاهر فأمرهم بتعقله، وما فى الثانية خفى فأمرهم بالتفكر فيه. أو ما فى الأولى بالمنع والنهى، وأحب شئ إلى الإنسان ما منع، فكانت بالعقل الذى فيه معنى الحبس وما فى الثانية بالأمر فكانت بما يدل على التفكر فلا ينسى.

[6.153]

{ وأن هذا صراطى مستقيما } أى ما ذكر من الأوامر والنواهى من حيث الائتمار والانتهاء فى الآيتين، أو من الشرع كله كما روى ابن عباس، ويناسبه النهى بعد، أو ما ذكر فى السورة من التوحيد والنبوءة وإثبات الشريعة، فإن السورة كلها فى ذلك إما بالذات أو بالواسطة، ولا يترجح الوجه الأول بالقرب وهو العود إلى الأوامر والنواهى، لأن ما فى السورة قريب لاتصاله وكأنه شئ واحد قريب فاستويا فى القرب، وترجح هذا بأنه زاد فائدة التعميم ولا فائدة فى التخصيص بلا مخصص، وتقدر اللام وتعلق باتبعوه، وإنما صح الإخبار بأن ذلك صراط الله مع أن فيه محرمات، لأن المراد ما ذكر من الأوامر والنواهى من حيث العمل بالأمر والنهى والعمل بالنهى اجتناب ما نهى وبهذا الاعتبار أيضا قال { فاتبعوه } ولا يشكل عليه ما استحب، ولم يجب لجواز حمل الاتباع على المشترك بين الوجوب والندب عملا بعموم المجاز، ودون هذا أن تحتمل الاتباع على إيجاب اعتقاده، فيجب على العالم استحباب شئ اعتقاد استحبابه والفاء صلة لا عاطفة لتعلق أن هذا صراطى بما بعدها أى اتبعوه، لأنه صراطى مستقيما، وهو واجب التقديم لعود الهاء إليه مما بعده، وهى لهذا أو لصراطى، ولو تأخر لعاد الضمير إلى متأخر لفظا ورتبة فى غير أبوابه، وإن عاد الهاء إلى ذلكم فلا إشكال، ولفظ هذا من وضع الظاهر موضع المضمر، ويجوز تقدير أثره فاتبعوه، ويجوز جعل إن هذا إلخ مفعولا لمعطوف على تذكرون أى لعلكم تذكرون وتعلمون أن هذا صراطى مستقيما فتكون الفاء عاطفة للأمر على وصاكم به أو على لعلكم تذكرون، أو على ما حرم، والياء فى صراطى لله تعالى، وقيل أنها له صلى الله عليه وسلم وأنه أضيف الصراط إليه صلى الله عليه وسلم لأنه أدعى للاتباع، والصراط مجاز عما ذكر من دين الله تحريما وتحليلا، ومستقيما حال أى لا عوج فيه، وما سواه طرق إبليس تؤدى إلى النار، على كل طريق منها شيطان يدعو إليها، روى ذلك ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم، وروى عن جابر بن عبد الله: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فخط خطا وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن شماله ثم وضع يده فى الخط الأوسط، ثم قال هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية { وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه } { ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } وهذه السبل سبل أهل الشرك وسبل أهل الضلال من أهل القبلة، وكل ما هو حرام من ترك أو فعل مما يفعل تشهيا أو ديانة والبدع والشبهات، فالمراد بالسبل السبل المخالفة لسبيل الله وجمعت لأنها لا تنضبط لأنها باعتبار الهوى والعادات والطبائع، ودين الله واحد باعتبار الحجة فأفرد سبيله لذلك، وأصل تفرق تتفرق حذفت إحدى التاءين، ومعناه تميل فتعلق به الباء وهى للتعدية كأنه قيل تفرقكم عن سبيله وهو دين الإسلام، أو هى للمصاحبة فتتعلق بمحذوف حال من ضمير تفرق أى كائنة معكم، وأهل الضلال أكثر من أهل الصواب كما قال قائل:

أري ألف بان لا يقوم بهادم

وكيف ببان خلفه ألف هادم

إلا أن الله المستعان { ذلكم } أى ما ذكر من اتباع السبيل واجتناب اتباع السبل { وصاكم به } كرر التوصية تأكيدا { لعلكم تتقون } التفرق عن سبيله أو تتقون النار، أتى بذلك بعد ذكر الصراط المستقيم تلويحا بأنه طريق لاتقاء النار، فلم ينج منها من لم يكن عليه، قال ابن مسعود: من سره أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم بخاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: قل تعالوا، إلى تتقون، وقال عبادة بن الصامت عنه صلى الله عليه وسلم: أيكم يبايعنى على هؤلاء الايات الثلاث، وتلاهن. قال فمن وفى بهن فأجره على الله ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله تعالى فى الدنيا كانت عقوبته ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله تعالى، إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه، ومعنى من أخره إلى الآخرة لم يعاقبه فى الدنيا، فإن شاء آخذه بأن لا يوفقه للتوبة وإن شاء عفا عنه بأن يوفقه لها، أو آخذه عاقبه فى القبر والمحشر وقد تاب، والعفو عدم عقابه وقد تاب. قال ابن عباس: من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار.

[6.154]

{ ثم آتينا موسى الكتاب } ثم لترتيب الإخبار بلا مهلة أى ثم أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب، أو لتراخى الرتبة أى ذلكم وصيناكم به يا بنى آدم قديما وحديثا، وأعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب، ويبعد العطف على وهبنا له إسحق لكثرة الفصل فانه بنحو نصف السورة، وليس تقدير ثم مما وصيناه أنا آتينا موسى الكتاب تقرير إعراب، ولا مخرجا لها عن تراخى الإخبار أو الرتبة، وكذا تقدير ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل القرآن. ويجوز أن تكون فى مثل الآية لمطلق الجمع، وقدر بعض: ثم قل آتينا موسى الكتاب، أى قل عنا، وقدر بعض: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ثم اتل عليهم قولنا آتينا موسى، ووجه أعظمية إيتاء موسى الكتاب وهو التوراة اشتمالها على تلك الوصايا وكثرة العلم وتفصيل كل شئ حتى أنها كجزاء لموسى كما قال { تماما على الذى أحسن وتفصيلا لكل شئ وهدى ورحمة } أى لاجل تمام نعمتنا أى إتمامها أو آتينا موسى الكتاب تماما أو ذا تمام أو آتينا موسى الكتاب إيتاء تمام، أو آتينا موسى الكتاب ذا إتمام أو متمين أو أتممناه إتماما تأكيدا للجملة قبله، والذى أحسن هو موسى عليه السلام، وضع الظاهر موضع المضمر ليصفه بالإحسان المتسبب لإيتاء الكتاب، وذلك الإحسان إجادة علمه وعمله واعتقاده أى آتيناه التوراة وزيادة على ذلك، أو المراد إحسان التبليغ، أى آتيناه تماما على الذى أحسن تبليغه، أو تماما على الفريق الذى أحسن القيام به مراعاة لمن أحسن من بنى إسرائيل، وفى هذا ضعف لأن جلهم جهلاء بقرب نكثهم وفسقهم على عهد موسى عليه السلام ولا سيما بعده، ألا ترى إلى عبادة العجل

اجعل لنا إلها

[الأعراف: 138] فلا يحسن مدحهم مع هذا أو لو أراد المجموع لا الجميع، ولو كان فيهم أيضا علماء وعباد غير ناكثين، ويجوز أن يراد تماما على كل من أراد الإحسان، ويدل على إرادة جنس المحسن قراءة عبد الله بن مسعود على الذين أحسنوا، وقراءة الحسن على المحسنين، وقال أبو مسلم: الذى أحسن هو إبراهيم فى قوله تعالى

অজানা পৃষ্ঠা