463

إذ أرسلنا إليهم اثنين

[يس: 14] وقام الإجماع على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الجن والإنس، قلنا: هو مرسل إلى الأنبياء قبله وأممهم، وإلى الجن أيضا قبله، فقد وبخوا بكفر مع إتيانه صلى الله عليه وسلم إليهم بالآيات كما عمه قوله { يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا } يوم القيامة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن الجن قتلوا نبيا لهم قبل آدم اسمه يوسف. وأن الله تعالى بعث إليهم رسولا وأمرهم بطاعته. ولكن لم يثبت ذلك إلى ابن عباس بسند. ولا شك أن الأنبياء أرسلهم الله عز وجل إلى الجن؛ لأنه لا يهمل الجن كما لا يهمل الإنس، إما بلا وساطة وهو وجه ضعيف حتى قيل وقع الإجماع أنه لم يرسل إليهم منهم أو بواسطة الآخذين عنهم من بنى آدم، قالوا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى فيقال أنهم يهود من الجن لم يعرفوا أمر عيسى عليهما السلام. وعن الكلبى الثانى.

أنه كانت الأنبياء رسلا إلى الإنس حتى بعث صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن، ومعنى يقص يحدث بالكلام على وجهه مبينا كما يتتبع أثر قدم؛ كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك التوبيخ فقال { قالوا شهدنا على أنفسنا } اعترفنا بأن الرسل قد بلغتنا بلا واسطة وبها، فإنه إذا كان الرسل يتكلمون بالوحى يسمع الحاضر من الجن ولا عذر لنا فى كفرنا ومخالفتنا { وغرتهم الحياة الدنيا } فمالوا إلى لذات الكفر والكسل { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } فى الدنيا، ذمهم الله على سوء صنعهم بالإصرار واعترافهم فى وقت لا يدفع عنهم الاعتراف ما استوجبه من العقاب، وهذا الإخبار زجر لغيرهم عن مثل ذلك، وهذا الاعتراف بألسنتهم فى موطن من مواطن القيامة حيث اشتد إياسهم أو ختم على ألسنتهم وأقرت جوارحهم، وفى موطن قبل هذا رأوا ما للمؤمنين من الخير فقالوا

والله ربنا ما كنا مشركين

[الأنعام: 23] ظنا أن الإنكار ينفعهم، والشهادة الأولى فى الآية إخبار باعترافهم والثانية تخطئة لرأيهم.

[6.131]

{ ذلك } أى إرسال الرسل مبتدأ أخبر عنه بالعله فى قوله { أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } أى ثابت لأنه لم يكن ربك مهلك القرى إلخ، أو خبر لمحذوف، أى الأمر ذلك الإرسال لأجل أنه لم يكن ربك مهلك القرى، وأن مخففة وهى مصدرية ولا يعرف أنها خفيفة مصدرية مثل هذا، وإنما تكون هكذا إذا نصبت المضارع ودخلت على ماض مثبت متصرف بلا فصل كقوله تعالى

أن كان ذا مال

[القلم: 14] ولعل قائل هذا حمل المضارع مع لم على الماضى المذكور لأنهما معا للماضى، وبظلم متعلق بمهلك أى لم يهلك ربك أهل القرى لأجل ظلمهم أو بسببه من شرك ومعاص وهم غافلون خالون عن العلم بالوحى لعدم نزوله وعدم إنذارهم به، ولا ضعف فى ذلك، أو حال من القرى لأن المقصود أهلها على حذف مضاف كما رأيت، أو تسمية للحال باسم المحل، أو وقع لفظ قرية أيضا لأهلها أى ثابتين بظلم أى إشراك ومعاص. أو حال من ربك أو من ضمير مهلك أى لا يهلكهم ظالما لهم جائرا لأجل ذنوبهم حال كونهم غافلين أى بلا إرسال رسل، ويجوز أن يكون قوله أن لم يكن ربك مهلك القرى بدلا من ذلك على أن ذلك خبر لمحذوف بدل اشتمال على أن الإشارة إلى إرسال الرسل والرابط معنوى لأن الظلم يتصور بانتفاء الإرسال، أو بدلا مطابقا على أن الإشارة لمضمون ما بعده كقوله تعالى

وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين

অজানা পৃষ্ঠা