432

أجعل الآلهة إلها واحدا

[ص: 5]، وأنك وقعت أو تقع فى الآفات حين طعنت فيها، مثل

إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء

[هود: 54] وكان أبوه آزر يصنع الأصنام ويعطيه إياها ليبيعها، فيقول: من يشترى ما يضره ولا ينفعه، فلا يشتريها أحد، فيذهب إلى نهر فيضرب رءوسها ويقول لها: اشربى، استهزاء بهم، وحل له أن يمسكها لأنه أراد إظهار بطلانها، و فشا فيهم ذلك فحاجوه { قال أتحاجونى فى الله } فى توحيد الله، حذفت نون الرفع لتوالى مثلين وفيه عمل واحد، أو نون الوقاية لتطرفها، والحذف بالآخر أليق، لأنه محل التغيير، ولحصول التكرير بها، ولأن الأولى نابت عن الضمة، ولأنها تحذف للجازم والناصب، وفيه عملان حذف نون الوقاية وكسر نون الرفع للياء { وقد هدان } إلى توحيده وهو الحق، والجملة حال من الواو، والربط بالواو، ومن لفظ الجلالة، أو من الياء المحذوفة المدلول عليها النون وكسرها والربط بالواو والضمير { ولا أخاف ما تشركون } لا أخاف ما تشركونه من الأصنام { به } بالله، أن تضرنى لأنها لا تقدر على ضر ولا على نفع، أو لا أخاف مضرتها لأنها لا تحصل، كقوله تعالى

فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون

[هود: 55] أى أنتم وأصنامكم لا قدرة لكم، أو فكيدونى بها، والجملة حال من ياء هدان، أو من مستتر على قول أن المضارع المنفى بلا كالمثبت لا يقرن بواو الحال كالمثبت يقدر: وقد لا أخاف، أو وأنا لا أخاف، أو معطوفة على قد هدان { إلا أن يشاء ربى شيئا } من المضرة فإنه الذى يضرنى لا أصنامكم، فالاستثناء منقطع، أى إلا مشيئة الله، فإنها المعتبرة، فإن حصل ضر فمن الله لا من جهة إنكار الأصنام، وليس تقدير وقت ما إلا وقت مشيئة ربى شيئا، على أن مصدر يشاء نائبا عن الزمان يخاف مدخلا له فى الاتصال لأنها لا تضره ألبتة، ولم يقض الله لها قوة أو قدرة على الضر ألبتة، إلا أن يراد إلا أن يشاء ربى شيئا يقدرها أن تصيبنى به، بأن يخلق لها تمييزا وكيدا، والمصدر الصريح هو الذى يصح أن ينوب عن الزمان، وقال ابن جنى: ينوب عنه المؤول أيضا { وسع ربى كل شئ علما } أى وسع علم ربى كل شئ، أو وسع ربى كل شئ وسعا، أى كفى أو علم ربى كل شئ علما، والجملة تعليل لقوله إلا أن يشاء ربى شيئا، أى لا بد من اعتبار مشيئة ربى لأنه القادر على كل شئ والكافى، أو لأنه العالم بكل شئ، ومن كذلك تخاف مضرته { أفلا تتذكرون } وسع ربى كل شئ علما فتعلموا أنه القادر وأن توحيده الحق، والتقدير: أتعرضون عما أوضحت لكم فلا تتذكرون.

[6.81]

{ وكيف أخاف ما أشركتم } تعجب وإنكار أن يخاف ما أشركوه بالله عز وجل أن يضره، وهذا نفى للخوف، وليس متكررا مع قوله { ولا أخاف ما تشركون به } لأن قوله ولا أخاف نفى للخوف على جهة الإخبار بما فى نفس الأمر من أنه لا خوف عنده من جهة الأصنام، وقوله: { وكيف أخاف } نفى للخوف بطريق الاستدلال الإلزامى أى يلزم من عدم خوفكم من الإشراك بالله كما قال { ولا تخافون أنكم أشركتم بالله } فى العبادة، ذكر لفظ الجلالة هنا دون ما قبله لأن المراد هنا تهويل الأمر، والمشرك به أدخل فى ذلك، وقيل: لأنه لو ذكره فيما قبله لكان كالمتكرر ما هنا فاختصر بالحذف، وأيضا لم يذكره قبله إشارة إلى بعد وحدانيته عن الإشراك فلا ينبغى ذكره مع لفظ الإشراك، ولما ذكر حال المشركين الذين لا ينزهونه عند الشرك ذكره { ما لم ينزل به عليكم سلطانا } أى لا أخاف من أصنامكم على أن الجملة هذه مع صدرها المحذوف حال، أى كيف أخافها وأنتم لا تخافون الله، وقدرت المبتدأ لأن المضارع المنفى بلا كالمثبت لا يقرن بواو الحال، واختار بعض جواز قرنه بها، وإن عطفت على أخاف انسحب عليها التعجب والإنكار فيكون متعجبا من أن يليق به خوف الأصنام ومن لياقة ألا يخافوا من الإشراك به تعالى، وأنا أشترط فى العطف اتحاد المسند إليه فى الجملتين وبين الخوفين فرق فإنه نفى عن نفسه الخوف من ذات الأصنام، ونفى الخوف من الإشراك لا من الله، إذ لو قال: كيف أخافهم وأنتم لا تخافون الله لكان معادلا لله بها، فالهاء فى به عائد إلى ما لم ينزل وهو ما يعبدونه من الأصنام على حذف مضاف أى بإشراكه، وجاز عوده إلى الإشراك المقيد بتعلقه بالموصول على قول الأخفش بجواز الاكتفاء فى الربط برجوع العائد إلى ملابس صاحبه وسلطانا حجة من وحى فى كتاب أو بلا كتاب ومن دليل مطلقا ولو عقليا مع أن الدليل الموحى به والعقلى أن لا يعبد مع غير الله لأنه وحده الخالق القادر الضار النافع فلا يشرك معه غيره { فأى الفريقين } المؤمنين والمشركين { أحق } أى حقيقا، فهو خارج عن التفضيل ويجوز إبقاؤه عليه كأنه لهم حقية ما تنزيلا لهم عن شدة المكابرة { بالأمن } فى الآخرة من عذاب الآخرة، المؤمنون لإيمانهم أم المشركون لإشراكهم، قيل: لم يقل أينا أنا أم أنتم لأنه فى صورة تزيكة النفس، وقيل لتأكيد إلجاء إلى الجواب بالتنبيه على علة الحكم والعدول عن خطابهم فى ذلك فإنه يؤدى إلى اللجاج، وإنما قدرت على هذا أنا وبعض نحن لأن إبراهيم مؤمن وحده، ولو فرض تقدير نحن فكان المراد نوع من يؤمن ولو لم يوجد منه فى ذلك الوقت إلا هو وأى الفريقين صيغة إنصاف، وهى أدعى للقبول، وأما " وإنا أو إياكم " فلنكتة { إن كنتم تعلمون } أى تعرفون ما يحق أن يخاف أو تعرفون من هو أحق بالأمن منه، أو إن كنتم من ذوى العلم فلا مفعول له على هذا، والجواب محذوف أى فأخبرونى أو فاتبعونى، أو أغنى عن جوابه قوله { أى الفريقين } بحسب المراد لأن المعنى إنكار كون فريق الإشراك أحق بالأمن، وأنت خبير أن أحق خارج عن التفضيل، وليس المراد أينا أحق من الآخر لأنه لا شىء من الأمن للمشرك إلا أن تنزل معهم إبراهيم فى لين الخطاب جلبا لهم فإنه قال إن كان لكل منى ومنكم أمن فأينا يزيد أمنه.

[6.82-83]

{ الذين آمنوا } بالله ورسوله وكل ما يجب الإيمان به عليهم { ولم يلبسوا إيمانهم } ولم يخلطوا { بظلم } لأنفسهم بكبيرة فيما بينهم وبين الله، أو فيما بينهم وبين الخلق، والتنوين للتعظيم، فإن الكبيرة ذنب عظيم كاسمها { أولئك لهم الأمن } فى الآخرة من عذابها { وهم مهتدون } إلى ما ينفعهم دنيا وأخرى، وأما من آمن ومات على كبيرة غير تائب فلا أمن لهم وهم ضالون، وهذا رد على المرجئة الخلص الذين لا يجزمون بالهلاك على من مات وهو مصر وعلى الأشعرية الذين أجازوا دخول المصر الجنة، وقالوا بأنه يقع لبعض والبعض الاخر يدخل النار، ويخرج منها عندهم فكانوا فى طرف من المرجئة، وأما حديث البخارى ومسلم بسندهما عن ابن مسعود أنه لما نزلت الآية شق ذلك على المسلمين قالوا: أينا لم يظلم نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

অজানা পৃষ্ঠা