431

{ فلما رأى القمر بازغا } مبتدئا فى الطلوع من بزغ بمعنى ظهر، أو بزغ بمعنى شق، فإنه شق الظلمة، أو من بزغ بمعنى سال كأن ضوءه سال وانتشر { قال } لهم أو لنفسه، أو قال يقولون { هذا ربى } فى زعمكم، أو بطريق الاستدلال، { فلما أفل قال لئن } والله { لم يهدنى ربى } يعنى الله، أى لئن لم يثبتنى على الهدى لأن أصل إلى الهدى من حين كان حيا فى البطن وما زال يزداد، فليس المراد لئن لم يعطنى ربى الهدى { لأكونن من القوم الضالين } تلويح بقومه، أو لمطلق من لم يكن على ما كان عليه بأنهم على ضلال، جادلهم بأفول الكوكب، أو استدل ولما لم يؤثر فيهم، أو فرض ألا يؤثر فيهم وهو مستدل، استدل ببزوغ القمر وأفوله، ولما لم يؤثر أو فرض عدم التأثير جادلهم بأفول الشمس، كما قال:

{ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى } فى زعمكم، أو بطريق الاستدلال، أو قال: يقولون هذا ربى، وذكر الإشارة لأن الخبر غير مؤنث وهو الراجح فى المؤنث المخبر عنه بالمذكر، ولأن الله سبحانه منزه عن صيغة التأنيث، يقال: الله خلاق وعلام لا خلاقة وعلامة بالتاء مع أنها آكد، وعندى: لا يجوز فى الله أن تقول: الذات الواجبة بل الواجب بلا تاء، وينبغى ألا يطلق عليه الذات أيضا لأنه لفظ تأنيث لكن جرى التعبير به والصواب أن يقال: الشىء الواجب بالنفس أى لا بغيره، فإن الصحيح إطلاق النفس على الله، أو ذكر الإشارة لأن الشمس نجم أو أراد هذا الجسم البازغ { هذا } ذكره لتأويل النجم، أو هذا الجسم البازغ لا لتذكير الخبر لأن هذا الخبر المذكور لا يذكر له المؤنث لأنه اسم تفضيل شأنه ذلك لتنكيره، تقول فى المرأة هذه أكبر لا هذا أكبر، ولا صحة لقول من قال أنه لا تأنيث فى لغة العجم لاسم الإشارة، ولا لقول من قال أن الإضافة مقلوبة فى لغة العجم فإن الذى شاهدناه غير ذلك فى أكثر اللغات ونسبى فى بنى عدى من العرب، ولسانى بربرى موافق للعربية كلها إلا قليلا، ولا يذكر فى العربية شىء من ألفاظ العجمية ولا من قواعدها إلا الأسماء { أكبر } من الكواكب والقمر جرما وضوءا ونفعا وتأثيرا بإذن الله، فلعلها الرب بطريق الاستدلال، أو فى زعمكم، ويقال أن الشمس مائة وستة وستون مثلا وربع وثمن مثل الأرض، وستة آلاف وستمائة وأربعون وأربعون مثلا وثلثا مثل للقمر، وأن الأرض تسعة وثلاثون مثلا وخمس وعشر مثل للقمر { فلما أفلت قال } لنفسه كأنه يخاطب قومه بحضرتهم وهم غائبون، وهذا على طريق الاستدلال، أو خاطبهم تحقيقا وهو المتبادر من قوله يا قوم، وعلى كل حال لما قويت الحجة فى الاستدلال أو فى خطابه قومه صرح بالبراءة من دين قومه { يا قوم إنى برئ مما تشركون } من إشراككم، أو من الأشياء التي تشركونها بالله سبحانه وتعالى، من الشمس والقمر والكواكب والأصنام والآدميين، كما أن الأب عندهم رب لزوجه، وهى رب لولدها، ونمرود رب لهم لعنهم الله، والمخلوق العاجز المحدث كيف يكون إلها؟، وإنما الإله هو القديم الموجود لغيره على أنواع من الجائزات يخصها بها زمانا ومكانا وذاتا وأحوالا، وسائر العوارض، وأفعاله على صفاته وذاته.

[6.79]

{ إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفا } هذه استعارة تمثيلية، شبه إعراضه عن المعاصى والشرك ومالا نفع فيه واشتغاله بالطاعة والتوحيد وما فيه نفع بجعل الوجه مستقبلا لخالق السماوات والأرض، وهو منزه عن الجهات، ومائلا عن سائر الجهات، واللام على أصلها أو بمعنى إلى وجردها بقوله { وما أنا من المشركين } بالله شيئا، أو ذلك استعارة بالكناية، وما أنا من المشركين رمز إلى المراد، وذلك حقيقة، أى صرفت قصدى لعبادة الذى خلق السماوات والأرض حنيفا، أى مائلا إلى توحيده وعبادته خاصة، وإنما احتج بالأفول دون البزوغ مع أن فى البزوغ ما فى الأفول من الدلالة على الحدوث بالحركة المنافية للربوبية، لأن الأفول فيه دلالة على الحدوث بها وبالاحتجاب والغيبة، والبزوغ يدل على الحركة فقط، ولم يعتبر الاحتجاب الذى قبل البزوغ لأن الاحتجاب يكون بعد الظهور، فلعله حدث البزوغ بدون احتجاب، أو اقتصر على الأفول لأنه أول ما تحقق فى مناظرته، ولو كان البزوغ صالحا أيضا للاستدلال فإنه لا بد ظهور بعد خفاء ولو بوجود بعد عدم على أن المعدوم خفى أيضا، بمعنى عدم ظهوره، والأفول أعم. كان نمرود لعنه الله أول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس إلى عبادته، وأخبره كهنته ومنجموه أنه يولد فى هذه السنة فى بلدك من تهلك ويزول ملكك به، أو رأوا ذلك فى بعض كتب الأنبياء، أو رأى فى السماء نجما طالعا مضيئا مذهبا لضوء الشمس والقمر كله، ففزع وسأل الكهان وأمر بذبح كل غلام يولد فى ناحيته، وعزل الرجال عن النساء، وجعل على كل عشرة رجلا يمنعهم عن نسائهم، وإذا حاضت خلاه، إذ لا يجامعون فى الحيض وحبس الحبالى عنده إلام أم إبراهيم فصغيرة لا تتهم بالحمل وخرج بالرجال إلى العسكر تخوفا عن الجماع فظهرت له حاجة لم يأمن عيها إلا آزر فخلفه، فقال: أنا أشح بدينى فرجع فقضى حاجة نمرود، ودخل على زوجته لينظر إليها فجامعها فحملت بإبراهيم، فقال الكهان والمنجمون: إن الغلام حمل به الليلة، فأمر بذبح كل من ولد، ولما قربت ولادتها ذهبت إلى نهر يابس، أو مغارة فولدته ولفته فى خرقة ووضعته فى حلفاء، وأخبرت زوجها بموضعه، وحفر له سربا فى النهر وسد عليه، وسد عليه فى المغارة بصخرة، أو سدت هى عليه فيها، وكانت تختلف عليه فتجده يمص من أصبع ماء ومن اصبع لبنا ومن آخر سمنا ومن آخر عسلا ومن آخر تمرا، وقيل: قالت لآزر: ولدت ولدا فمات، وصدقها، وكان يشب فى اليوم كالشهر، وفى الشهر كالسنة، ومكث فى الغار خمسة عشر شهرا، أو سبع سنين، أو ثلاث عشرة، أو سبع عشرة سنة، وقال لأمه: أخرجينى فأخرجته عشاء، فتفكر فى السماوات والأرض والسماء والنجوم، فكان ما ذكر الله عز وجل عنه من قوله

فلما جن عليه الليل

[الأنعام: 76] إلخ... ورجعت به إلى أبيه وقالت أنه ابنه، وأخبرته بما فعلت، ففرح، وقالت: إنه الغلام الذى ذكر الكهنة، وقال: يا أمى، من ربى؟ قالت: أبوك. قال: فمن رب أبى؟ قالت: اسكت، وقال لأبيه: من ربى؟ قال: أمك. قال: من رب أمى؟ قال: أنا. قال: من ربك؟ قال: نمرود. قال: من رب نمرود؟ فلطمه وقال: اسكت. وقيل: رأى الكوكب من خلل الصخرة، وقيل: قال لهما: أخرجاني، فأخرجاه فى مغيب الشمس، فرأى الإبل والخيل والغنم، فسأل عنها أباه، فقال: إبل وخيل وغنم، وقال له ولأمه: لا بد لهذه ولنا من خالق ورازق لا رب غيره، فرأى المشترى قد طلع، وقيل الزهرة، من آخر الشهر آخر طلوع القمر، كذا قيل، وفيه أنه لو كان كذلك لم يره آفلا، اللهم إلا بتخصيص له.

[6.80]

{ وحاجة قومه } جادلوه فى الأصنام ونفى ألوهيتها حين شهر أمره جدال تهديد، وجادلهم جدال برهان، أو جادلوه بمثل

وجدنا آباءنا

[الزخرف: 23] ومثل

অজানা পৃষ্ঠা