তাফসির মিযান
تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي
وفي الكافي، أيضا عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، قال: كان الناس يستنجون بالكرسف والأحجار ثم أحدث الوضوء وهو خلق كريم فأمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصنعه فأنزل الله في كتابه: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
أقول: والأخبار في هذا المعنى كثيرة، وفي بعضها: أن أول من استنجى بالماء براء بن عازب فنزلت الآية وجرت به السنة.
وفيه، عن سلام بن المستنير، قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فدخل عليه حمران بن أعين وسأله عن أشياء، فلما هم حمران بالقيام قال لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرك أطال الله بقاك وأمتعنا بك: إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى يرق قلوبنا وتسلو أنفسنا عن الدنيا وهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال، ثم نخرج من عندك فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا، قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنما هي القلوب، مرة تصعب ومرة تسهل ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) أما إن أصحاب محمد قالوا: يا رسول الله نخاف علينا من النفاق؟ قال: فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا وجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا حتى كنا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل يكاد أن نحول عن الحالة التي كنا عليها عندك، وحتى كأنا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا؟ فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كلا إن هذه خطوات الشيطان فيرغبكم في الدنيا، والله لو تدومون على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة، ومشيتم على الماء، ولو لا أنكم تذنبون فتستغفرون الله تعالى لخلق خلقا حتى يذنبوا فيستغفروا الله تعالى فيغفر لهم، إن المؤمن مفتن تواب أما سمعت قول الله عز وجل: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وقال تعالى: استغفروا ربكم ثم توبوا إليه: أقول: وروى مثله العياشي في تفسيره، قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو تدومون على الحالة، إشارة إلى مقام الولاية وهو الانصراف عن الدنيا والإشراف على ما عند الله سبحانه، وقد مر شطر من الكلام فيها في البحث عن قوله تعالى: "الذين إذا أصابتهم مصيبة": البقرة - 156.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو لا أنكم تذنبون "إلخ"، إشارة إلى سر القدر، وهو انسحاب حكم أسمائه تعالى إلى مرتبة الأفعال وجزئيات الحوادث بحسب ما لمفاهيم الأسماء من الاقتضاءات، وسيجيء الكلام فيه في ذيل قوله تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر - 21، وسائر آيات القدر، وقوله أما سمعت قول الله عز وجل: إن الله يحب التوابين "إلخ"، من كلام أبي جعفر (عليه السلام)، والخطاب لحمران، وفيه تفسير التوبة والتطهر بالرجوع إلى الله تعالى من المعاصي وإزالة قذارات الذنوب عن النفس، ورينها عن القلب، وهذا من استفادة مراتب الحكم من حكم بعض المراتب، نظير ما ورد في قوله تعالى: "لا يمسه إلا المطهرون:" الواقعة - 79، من الاستدلال به على أن علم الكتاب عند المطهرين من أهل البيت، والاستدلال على حرمة مس كتابة القرآن على غير طهارة .
وكما أن الخلقة تتنزل آخذة من الخزائن التي عند الله تعالى حتى تنتهي إلى آخر عالم المقادير على ما قال تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم:" الحجر - 21، كذلك أحكام المقادير لا تتنزل إلا بالمرور من منازل الحقائق فافهم ذلك، وسيجيء له زيادة توضيح في البحث عن قوله تعالى: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات الآية:" آل عمران - 7.
ومن هنا يستأنس ما مرت إليه الإشارة: أن المراد بالتوبة والتطهر في الآية على ظاهر التنزيل هو الغسل بالماء فهو إرجاع البدن إلى الله سبحانه بإزالة القذر عنه.
পৃষ্ঠা ১২৫