380

وبهذا الذي ذكرنا يتأيد: أن المراد بتقديمهم لأنفسهم تقديم العمل الصالح ليوم القيامة كما قال تعالى: "يوم ينظر المرء ما قدمت يداه:" النبأ - 40، وقال تعالى أيضا: "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا:" المزمل - 20، فقوله تعالى: "وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه "إلخ"، مماثل السياق لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون:" الحشر - 18، فالمراد والله أعلم بقوله تعالى: وقدموا لأنفسكم تقديم العمل الصالح، ومنه تقديم الأولاد برجاء صلاحهم للمجتمع، وبقوله تعالى: واتقوا الله، التقوى بالأعمال الصالحة في إتيان الحرث وعدم التعدي عن حدود الله والتفريط في جنب الله وانتهاك محارم الله، وبقوله تعالى: واعلموا أنكم ملاقوه "إلخ"، الأمر بتقوى الله بمعنى الخوف من يوم اللقاء وسوء الحساب كما أن المراد بقوله تعالى في آية الحشر واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون الآية، التقوى بمعنى الخوف، وإطلاق الأمر بالعلم وإرادة لازمه وهو المراقبة والتحفظ والاتقاء شائع في الكلام، قال تعالى: "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه:" الأنفال - 24، أي اتقوا حيلولته بينكم وبين قلوبكم ولما كان العمل الصالح وخوف يوم الحساب من اللوازم الخاصة بالإيمان ذيل تعالى كلامه بقوله: وبشر المؤمنين، كما صدر آية الحشر بقوله: يا أيها الذين آمنوا.

بحث روائي

في الدر المنثور،: أخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن المنذر وأبو حاتم والنحاس في ناسخه وأبو حيان والبيهقي في سننه عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك فأنزل الله: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى - فاعتزلوا النساء في المحيض الآية، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح، فبلغ ذلك اليهود فقالوا ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن خضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود قالت: كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأرسل في أثرهما فسقاهما فعرفا أنه لم يحد عليهما.

وفي الدر المنثور، عن السدي: في قوله: ويسألونك عن المحيض، قال: الذي سأل عن ذلك ثابت بن الدحداح: أقول: وروي مثله عن مقاتل أيضا.

وفي التهذيب، عن الصادق (عليه السلام) في حديث: في قوله تعالى: فأتوهن من حيث أمركم الله الآية، قال (عليه السلام): هذا في طلب الولد فاطلبوا الولد من حيث أمركم الله.

وفي الكافي،: سئل عن الصادق (عليه السلام): ما لصاحب المرأة الحائض منها؟ فقال (عليه السلام): كل شيء ما عدا القبل بعينه.

وفيه، أيضا عنه (عليه السلام): في المرأة ينقطع عنها دم الحيض في آخر أيامها، قال (عليه السلام): إذا أصاب زوجها شبق فليأمر فلتغسل فرجها ثم يمسها إن شاء، قبل أن تغتسل، وفي رواية: والغسل أحب إلي.

أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة جدا وهي تؤيد قراءة يطهرن بالتخفيف وهو انقطاع الدم كما قيل: إن الفرق بين يطهرن ويتطهرن أن الثاني قبول الطهارة، ففيه معنى الاختيار فيناسب الاغتسال، بخلاف الأول فإنه حصول الطهارة، فليس فيه معنى الاختيار فيناسب الطهارة بانقطاع الدم، والمراد بالتطهر إن كان هو الغسل بفتح الغين أفاد استحباب ذلك، وإن كان هو الغسل بضم الغين أفاد استحباب الإتيان بعد الغسل كما أفاده (عليه السلام) بقوله: والغسل أحب إلي، لا حرمة الإتيان قبله أعني فيما بين الطهارة والتطهر لمنافاته كون يطهرن غاية مضروبة للنهي، فافهم ذلك.

পৃষ্ঠা ১২৪