আল-মানতিক
المنطق
وأكثر ما ينتفع بهذه الأمثال في المشورة، حين ما يعز وجود جزئيات مشاكلة، فتخترع؛ فإن اختراعها يسير. لكن موقع الموجود المشهود به آكد. واعتبار الجزئيات الموجودات من أبواب مبادئ الفلسفة، وإذ التجربة، كما علمت، من أجل أصولها، فكيف في البحوث الضعيفة. والفزع إلى المثال إنما يقع عند عوز التفكير، فإن التفكير أولى أن يوقع التصديق. وأما إذا أورد المثال لا على أنه المقنع نفسه، بل على أنه شاهد لضمير مصنوع، أو مصحح لمقدمة كبرى في الضمير، على ما تحققته قبل، فإنه يكون في أول القسمين نافعا، وفي الثاني ضروريا. وتكون منزلة المثال في تثبيت الكلى منزلة الاستقراء. وإن كان الاستقراء غير أهل للخطابة ولا مناسب إلا في أحوال نادرة. فإذا قدم الخطيب الضمير، ثم أيده بالشاهد، على أنه نافع أو ضروري، كان قد تمم الإقناع. فإن الشاهد مقنع. لكنه إذا سبق فأدعى، ولو مقرونا بالضمير، فاستنكر دعواه بديا، لم يكد يسلم له إلا شهادات كثيرة. فأما إذا أورد المثال أولا واعتمده، ثم أورد الدعوى بعده، فتكون الدعوى قد صادف الاستعداد من الأنفس لقبوله ولم ترد عليها بغتة فيتنبه لإنكارها. وقد يقبل المثال الواحد قبول الشاهد الواحد، إذا كان ثقة. وهذا الإعداد مثل الإعداد بحذف الكبرى أيضا؛ فإن التصريح بها ينبه على العناد. فالغرض في هذا أن الضمير إذا كان محوجا إلى تصحيحه بالمثال، فلأن يبتدئ بالمثال أولى من أن يبتدئ بالضمير. وأما إذا كان المثال للاستظهار، فلا بأس في تقديمه أو تأخيره. هكذا ينبغي أن يفهم هذا الموضع. وأما الرأي فإنه قضية كلية، لا جزئية، وهي في أمور عملية، ومن جهة ما يؤثر أو يجتنب. والتفكير الرأيي قريب من المستنتجة التامة. ونتائج الآراء، إذا أخذت بانفرادها، هي أيضا آراء، كما أن مقدماتها آراء، لكنها إنما تكون تفكيرا إقناعيا، إذا قرنت بها العلة، مثل قولنا: إن معرفة الأحداث بالحكمة فضول. فهو رأي، ونتيجة رأي. وهو أنهم حينئذ يكونون مدخرين ما لا ينتفعون به. لكنه إذا أخذ الرأي الذي هو نتيجة وحده، لم ينتفع به، لأنه لا ينفع، إذ ليس مقبولا بنفسه، إذ القبول يناله بعد قبول مقدمة، هي علة قبوله، فينبغي أن يقرن ذلك به، فينتج، ثم تستعمل النتيجة، فيكون الضمير جميع ذلك القول. ويجب لذلك أن تون أنواع الرأي أربعة: رأي لا يحتاج إلى قرن كلام به لظهوره في نفسه؛ ورأي لا يحتاج إلى ذلك لظهوره عند المخاطب أو عند أهل البصر؛ ورأي يحتاج أن يقرن بكلام آخر ليؤدي إلى المطلوب. وهذا على قسمين: لأنه إما أن يكون ذلك الكلام هو نتيجة عنه، أو يكون منتجا إياه. فإن كان نتيجة عنه، كان هو بالحقيقة ليس ضميرا على المطلوب، بل جزءا من الضمير، كأنه جزء قياس مركب. وإن كان يحتاج إلى ما ينتجه، فيكون هو الضمير القريب، وليس جزءا من الضمير البتة. فإن القياس القريب ليس كالبعيد. فإن البعيد ينتج على أنه جزء قول مفلح، والقريب ينتج الشيء بذاته، لا على أنه جزء شيء. وعلى هذا ينبغي أن يفهم هذا الموضع.
وقد خبرناك أن الخطابة تشاكل الجدل في الموضوعات والمبادئ، وتشاركه في أشياء، فينبغي أن تأخذ الآراء الخطبية آراء مختارة مقبولة عند إنسان إنسان ممن تخاطبه، أو عند إنسان من الأئمة، أو مما يظن مقبولا مما هو في الأمور الممكنة المتعلقة بالزمان، لا المظنونة التي في الأمور الدائمة، فإن ذلك للجدل. وإذا كان هذا محصلا عندك، أمكنك أن تستنبط منه الحجج والضمائر. ولسنا نوجب عليك أن تضبط أمورا غير متناهية من الموجودات بحسب شخص شخص في أمر أمر جزئي. فإن ما لا يتناهى لا يوجد، فكيف يحصر ويضبط!؟ بل أن تصنف الأحكام الكلية الموجودة المحصورة الم - تعلقة بالأجناس الثلثة للخطابة، وتجتهد أن تخصصها ما قدرت. فإن الأحكام التي هي أخص، أشد نفعا وأقرب إلى الباب، وأليق به. وكذلك اذا اخذت تستعملها في الجزئيات، فتلطف في تخصيصها تلطاف آخر، حتى تكاد تطابق ذلك الشخص المتكلم فيه وحده. مثال ذلك في المدح: اذا كان عندك مقدمة مناسبة للمدح، كقولك: الإلهي هو الذي يكاد أن تكون فيه قوة إلهية، فإن هذا من المديح البالغ جدا. لكنك إذا مدحت واحدا من الفضلاء بهذا، فقد مدحته بما يعمه وغيره من الذين يجرون مجراه. فإن خصصت وزعمت أنه الذي فعل الأمر الإلهي الفلاني، فظفر بفلان، وأنقذ فلانا من ورطة، كان هذا بالمدح أليق، وإلى الإقناع أقرب. فإنك إذا قلت: إن فلانا إلهي، لم تقنع بذلك، ما لم تدل على جزئي من الأمور به يصير مثله إلهيا. هكذا ينبغي أن يفهم أيضا هذا الفصل.
পৃষ্ঠা ২৩৭