আল-মানতিক
المنطق
ولنبدأ بالأسنان: فالغلمان قد تكثر حركة الشهوة فيهم ويقتدرون عليها، وتقتصر شهواتهم على الأمور المطيفة بالبدن، المنسوبة إلى الزهرة، كالمناكح والملابس والمشام؛ وهم سريعو التقلب والتبدل، يغلب عليهم الملال، يشتهون بإفراط ويملون بسرعة، لحدة أهوائهم وملقها وفقدان الجزالة في آرائهم. وإنما آراؤهم كالعطش الكاذب الذي ينتفع بالنسيم البارد. ويسرع إليهم الغضب، ويشتد فيهم، وخصوصا لحبهم الكرامة، فلا يحتملون الضيم. وتفرط فيهم محبتهم للكرامة ومحبتهم للغلبة ميلا منهم إلى النباهة والعلو. وحبهم لذلك أشد من حبهم للمال، بل ميلهم إلى المال ميل يسير، فإنهم لم يقاسوا الحاجة، ولا كابدوا الفاقة. ومن طباعهم سرعة التصديق بما يرتمي إليهم لما فيهم من حسن الظن، وقلة الارتياب، وفسحة الأمل. وكل ذلك تبع لمزاجهم الحار المشابه لمزاج النشاوي الذي يقوي النفس جدا. ولذلك لا يجورون ولا ينهزمون ويرجون العيش بالأمل. فإن المستقبل في سلطانهم والماضي في سلطان المشايخ. فإنهم، إذ لا كثير ماض لهم، تقل تجربتهم. ولحسن ظنهم يسهل انخداعهم. وكذلك الشجعان . ولهذا يشتركان في سرعة الغضبت فهما حسنا الظن، سريعا الغضب. وحسن الظن يزيل الجزع. وشدة الغضب تقوي النحيزة فتتبعه قلة الخوف، لا لحسن الظن فقط، بل لشدة القلب. فإن الخوف والغضب لا يجتمعان. ويشبه أن يكون حسن الظن جزءا من الشجاعة. وقد يغلب على الأحداث الحياء، لأنهم لم يندفعوا بعد في الفواحش الموقحة، وبقوا على الفطرة. وهم متهمون لأنفسهم استقصارا لأنفسهم في المعرفة والخبرة. ويتبع حسن ظنهم كبر أنفسهم. ولا يقدرون أنهم سيفتقرون، إذ لم يقاسوا الضراء بعد. ولهذا ما تتوجه هممهم إلى العظائم، وتجسم في أنفسهم الأماني. وميلهم إلى النافع الذي عرفوه أكثر من ميلهم إلى الجميل الذي لم يألفوه بعد. وإنما فكرهم وهواجس نفوسهم موقوفة على الأنفع. فإنهم إنما عرفوا من الخير النافع الذي عندهم بحسب سنهم، وكأنه اللذة وما يجري معها والفكر المبني على الفطرة. وهذه الفكرة إنما تجذب إلى النافع الذي بحسب المفكر وعنده. وأما الجاذب إلى الجميل فهو الفضيلة، لا الفطرة. هكذا يجب أن يفهم هذا الموضع. وأما الأحداث فشديدوا المحبة لذويهم وإخوانهم وأقرانهم، وذلك لأنهم نشيطون، يحبون السرور. والسرور إنما يتم بالصحة والمعاشرة معا. وليس عرضهم فيما يؤثرونه المنفعة الحقيقية، بل المنفعة المؤدية إلى اللذة. ولذلك صداقتهم للذة، لا للمنفعة في المصالح العقلية، فلذلك يحبون الأصدقاء، ليلتذوا بهم. وخطأهم في إتيان نافعهم وفي كل شيء أعظم من خطأ المشايخ في مثله، لأنهم مفرطون لا يتوسطون. والإفراط مغلطة. ومن شدة إفراطهم ظنهم بأنفسهم البصر بكل شيء. ومن سجاياهم ركوب الظلم الجهار، وإن عاد عليهم بالعيب والخزي، لأنهم مائلون بالطبع إلى سوء الفعال، لأنهم بالطبع شديدو الغضب، قليلو الخوف. ومع ذلك فقد تغلب عليهم الرحمة، لتصديقهم المتظلم المتعرف بالخير. وهم لقلة جريرتهم ومكرهم مناصبون للأشرار المكرة. وهم محبون للهزل والمزاح، لحب الفرح والسرور، ولضعف الروية التي إذا قويت، وقفت الهمة على الجد. وأما المشايخ فأكثر أخلاقهم ضد أخلاق هؤلاء. فإن أخلاقهم سخيفة، ومع ذلك شكسة، ولا تذعن لأحد لكثرة ما جربوا، وكثرة ما جرى عليهم من الخديعة والغلط، ثم تنبهوا له، وكثرة ما خاضوا فيه من الشرور وقصدوه منها. ومن أخلاقهم لا يحكمون في شيء من الأشياء بحكم جزم البتة. وإن حموا، حكموا به على ما جربوه. وكل شيء عندهم على حكم ما سلف، أو لا حكم له أصلا. وكأنه على كثرة تجربتهم، لم يجربوا شيئا، وذلك لشدة امترائهم فيما لا مثال له عندهم، فكأنهم فيه أغمار. ويقل اكتراثهم بالمحمدة والمذمة. وإذا حدثوا عن أمر في المستقبل، حدثوا عنه مرتابين يعلقون ألفاظهم " بعسى " و " لعل " وأخلاقهم سيئة، لسوء ظنهم. وليس من عادتهم الغلو في ولاء أو بغضاء، إلا في الأشياء المضطر إليها. وتراهم في محبتهم كالمبغضين؛ وفي بغضهم كالمحبين. وهم صغار الأنفس، متهاونون، لا يقتفون أثر العزم المصمم، كأنهم قد يئسوا. فلذلك يضعف شوقهم إلى الأمور، سوى ما يتعلق بالمعاش، فهم حرصاء عليه، خوفا من إدراك الأجل. ولأجل ذلك مالا تسمو أنفسهم إلى التكرم والمروءة، ضنا بمتاع الدنيا. وقد أشعرتهم التجارب عسر الاقتناء، وسوء عاقبة الإتلاف والإفناء. والجبن يستولي عليهم. وهم محسنو الإنذار بما هو كائن، لما استفادوه من التجارب. وهم على خلاف الشبان في المعاني المحركة، بل هم إلى السكون لبرد مزاجهم، فلذلك يجبنون ويخافون. ولأجل الجبن والخوف، يشتد حرصهم. وأيضا لفرط حبهم للحيوة بسبب إعراضها فيهم للزوال. وتسقط شهوتهم عن المناكح والمناظر، لزوال حاجتهم فيها. على أنهم يشتهون أيضا، وخصوصا المأكل. ويميلون إلى العدل، ويحبون الأئمة العادلة، وذلك من جبنهم وضعفهم. فإن الميل إلى العدل هو لحب السلامة. وحب السلامة هو إما من فضيلة، وإما لصغر النفس؛ فإن الفضيلة تحث عليه، وصغر النفس أيضا يوجبه. فمن ليس توجبه فيه الفضيلة، فليس شيء يوجبه إلا صغر النفس. ويؤثرون النافع، ولا يؤثرون الجميل. وكل ذلك لمحبتهم لأنفسهم. فإن محب نفسه، يميل إلى النافع، لا إلى الجميل. فإن النافع بحسب نفس الإنسان، والجميل بحسب غيره. وهم أوقاح لا يستحيون، لأنهم ليس لهم كل الميل إلى الجميل، بل ميلهم موقوف على جهة النافع. فلذلك يتهاونون بالجميل. ومن أخلاقهم قلة التأميل، إذ وجدوا الإخفاق في العالم أكثر من الإنجاح. والتجربة تتبع الأكثر. والاعتقاد فيهم يتبع التجربة. ولهم، بدل الالتذاذ بالتأميل، الالتذاذ بالتذكير. ولقلة تأميلهم، يكثر جبنهم. وغضبهم حديد، ضعيف. أما الحدة، فلسرعة الانفعال، كأنهم مسقامون؛ وأما الضعف، فلضعف النحيزة. وشهواتهم مضمحلة، أو منكسرة. وشوقهم إلى النافع، دون اللذيذ، ولذلك يظن بهم أنهم أعفاء. وهم أعفاء ضرورة، لا أعفاء فضيلة. وتقل رغبتهم في طلب الفضل والفائدة، استقصارا لمدة الحيوة. ويعاشرون الناس على أنهم أتباع فيما يؤثرونه لأخلاق مستعفة، لأجلها يفعلون ما يفعلون، لا على أنهم أتباع أفكار تؤم المنافع. فإن عاداتهم الترائي بأخلاق الصالحين، وإن كان ما يفعلونه لأغراض وأفكار. فإنهم إذا تراءوا بالصلاح، طلبوا بذلك منفعة ما، لكنهم لا يعترفون به. وهم طلابون جدا لكسب المنافع، ولكن على سبيل الأرب والخب والمكر، لا على سبيل المجاهرة، وارتكاب ما يستحيي منه، خلافا لعادات الأحداث. وقد يرحمون أيضا بسبب مخالف لرحمة الأحداث. فإن الأحداث يرحمون لمحبتهم للناس، وتصديقهم للمتظلم؛ وهؤلاء يرحمون لضعف أنفسهم، وتخيلهم للشر المشكو منه والمشاهد كالواقع بهم. وهم مع ذلك صبراء على الأذيات، غير قلقين. وليسوا بمهزالين، لأن الهزل مناف للجد، مباين للصبر. وأما الذين في عنفوان التشييخ، وهم الذين بلغوا أشدهم، ولم ينحطوا، فأخلاقهم متوسطة بين الخلقين المذكورين: بين الشجاعة التهورية والجبن، وبين التصديق بكل شيء والتكذيب لكل شيء. بل هم في الشجاعة على ما ينبغي، وفي التصديق على ما ينبغي. وهممهم مازجة للنافع بالجميل، وللجد بالهزل. فهم أعفاء مع شجاعة. وأما الأحداث فشجعان مع نهم. كما أن الشيوخ جبناء مع عفاف. ومبدأ هذه السن من ثلثين إلى خمسة وثلثين، واستكمالها إلى خمسين. وأما الأنسباء ذوو الأبوة من الناس، فإنهم راغبون جدا في الكرامة، متشبهون بأوائلهم. وقد يظن أن كل ما هو أقدم فهو أجل وأعظم، فلذلك يشتهون الرفعة والكرامة. ولذلك يجنحون إلى التيه والاستطالة وربط الجأش. ومع ذلك فكرمهم يدعوهم إلى العدل؛ وذلك مادام الكرم فيهم باقيا بعد، ولم تنسخ الأيام عاداتهم الموروثة عن أسلافهم. ثم يتعطلون آخر الأمر مع ضربان الدهر لقلة تواضعهم للتأديب، واعتلائهم عن الإسفاف للحرف والصنائع والمكاسب السافلة. فإذا جار عليهم الدهر، بقوا متعطلين، وتفرقت عنهم العدد والكفايات، فبقوا معانيه، أو عجزة مخاذيل. وأما أخلاق الأغنياء: فالتسلط، والاستخفاف بالناس، والإقدام على شتيمتهم، وعظم الاعتقاد في أنفسهم، كأنهم فائزون بكل خير، يلاحظون كلا بالتملك والاستعباد. فهم مترفون بالنعمة، صلفون بحسن الحال. وهم محبون للثناء، مشترون للمدح لكثرة ما اعتادوهما. ومن عاداتهم أن يستحسدوا كل إنسان، كأن كل إنسان يحسدهم على حظهم. ولذلك جعل بعضهم من فضائل الحكمة أن الحكيم، لاحتياجه إلى الأغنياء، ومقاساته الفقر، يكون بصيرا بالأحوال، غير سيء الظن بالناس، ولا مسيئا إليهم بحكم التسلط. وإساءة الأغنياء تغلب عليهم ضعف الروية لقلة الحاجة منهم إليها. وتشاكل شمائلهم شمائل النساء. إلا أن الذي له قديم في الغناء أنبل من المستحدث الذي قد قاسى قبله الهوان، ورسخ فيه صغر النفس.
والأغنياء يشبهون الأحداث في المجاهرة بالظلم من غير مبالاة، كأن المال وقاية لهم عن كل آفة. وتقوى فيهم الأخلاق المائلة إلى جهة القوة. والأخلاق المائلة إلى جهة القوة: منها ما هو أخس وهي التي تصرف فضل القوة إلى الازدياد في الاقتناء؛ ومنها ما هو أنبه مثل محبة طلب الفضيلة. فإن من كان منهم أعلى همة، صرف قوته إلى الفضيلة. وهؤلاء هم المحبون للكرامة. وهم أفحل أخلاقا، وأجزل آراء، وهؤلاء هم أقدر من المائلين إلى الازدياد في الميسرة، لأن أفعال القوة هي التي نحو الغلبة والكرامة والجلالة. وأما الاكتساب والاستكثار من العدة فهو للضعف. وكلما كانت النفس أقوى، كان إلى التصون والصلف أميل. وهؤلاء يكسبون بقوة أنفسهم فضل لب، ويترفعون عن أن يتكبروا بتكلف، فلذلك لا يرون لأنفسهم حاجة إلى الكبر، فيكونون متواضعين حسني الأشكال في العشيرة. لا يسعون للظلم الحقير. فإن ظلموا، ظلموا في كثير.
وأما المحدودون، فمن أخلاقهم: التنعم، والاستمتاع باللذات، والاستطالة، وقلة المبالاة، لسعة المقدرة. ويكونون محبين لله جدا، واثقين به، معولين على التوكل، لأنهم اعتادوا الانتفاع بالجد، دون الكد.
وقد يوقف على أحوال أضداد هؤلاء من أحوالهم.
ولما كانت المنفعة في الأقاويل الإقناعية هي حصول الإقناع. والإقناع لن يحصل إلا إذا انقطع الجواب، وحقت الكلمة. والواحد يعسر إسكاته، ويبعد إذعانه، وخصوصا في الأمور الإقناعية. فبالحري أن يكون من تمام التدبير في المحاورات الخطابية تعيين حاكم يزجر المرتكب عن ارتكابه، والمعاسر عن معاسرته، مع تمكينه كلا من كلامه، لا يحجر عليه، أو يجري إلى الخطل. ويجب أن يكون إنما يحجر عند مشاركة النظار إياه في استخطال المتكلم. وشهادة السامعين للبادئ لئلا ينسب إلى الميل.
فينبغي إذا أن يكون هنا متكلم، وحاكم، ونظار. وإذا كان كذلك، وجب أن تكون عند الخطيب أنواع تعين في الانفعالات والأخلاق.
فصل الفصل السادس في الأنواع المشتركة للأمور الخطابية
পৃষ্ঠা ২৩৪