আল-মানতিক
المنطق
وقيل في التعليم الأول: فأما الذين يصيرون إلى ذلك بلا حتم أو قضاء. يشبه أن تكون لفظة (لا) قد وقعت زائدة سهوا من الناقلين أو غيرهم، أو يشبه أن يكون معناه بلا حتم من الكاسبين، ولا تقدير منهم؛ فيكون كأنه قال: بلا توقع من الناس وتقدير. ومما يضاد الاهتمام والجزع المذكورين: الحسد. فإن الاهتمام هو أذى يعترى لشر يبصيب الإنسان؛ إنما يعترى لأنه غير مستحق، ولأجل ذلك الإنسان. والحسد هو أذى يعتريه لخير يصيب من يستحقه، لأجل أنه أصابه. فأما الجزع المذكور فهو كالوسط بينهما. فإن الجزع أقرب إلى الاهتمام. وإذ هو أقرب من الاهتمام فهو كالضد للحسد. ولا يجب أن يناقش أيضا في الأضداد، مطالبة أن يورد على الحقائق، دون المظنونات. فقد قيل في هذا مما هو سد لهذا الباب. والحسد، إنما يكون حسدا، إذا كان الغم فيه بسبب أن الخير أصاب الغير. وأما إذا كان الغم ليس لهذا، بل بسبب قصور مثله عن المغتم، فهذا ليس حسدا. وهو أمر قريب من الواجب، ولاتنفك عنه الطبائع. فإن كل انسان يغتم لما يفوته من العطاء والرزق الذي من شأنه أن يوجد لغيره. وكذلك إذا كان الغم بسبب خوف يعتري الإنسان من إنجاح العدو، يقدر معه أن إنجاحه يبسط له في القدرة، فيمكنه من أفعال المعاداة. وههنا فرح يصيب الإنسان لشر يعرض للمستحقين، كالذين يقتلون الناس ويعفون الآثار ويعيثون في الأرض ساعين بالفساد؛ وفرح آخر بإخفاق المستحق وسوء حال المحسن؛ وهما متضادان: أحدهما يصدر عن فضيلة، والآخر عن رذيلة. وحزنان: حزن يعرض لحسن حال المستحق، لأجل حسن حاله، وهو الحسد؛ وحزن يعرض لحسن حال من لا يستحق - لأنه لا يستحق - وهو المناقمة والغيظ؛ وهما متضادان: أحدهما عن رذيلة، والآخر عن فضيلة. فهذه تركيبات مختلفة من الحزن والفرح، والخير والشر، والاستئهال وغير الاستئهال. والحاسد يحسد في كل خير، حى في الحسن والجمال وغير ذلك. وأما الناقم فليس يحسد في الفضائل، لأنه لا معنى لاستشعاره وجود فضيلة بلا استحقاق. فإن غير الفاضل لا ينال الفضيلة. بل إنما ينقم للخيرات الخارجة. فإن غير الفاضل لا يستحقها، وغير الفاضل ينالها، وإنما يستحقها الأخيار. وكذلك لا ينقم في الخيرات الواقعة في الطبع كالحسن واجمال، ولا في الخيرات الموروثة التي لم تستحدث، فإن ذلك يرى كالحق الواجب. وكذلك إذا كان المستحدث للخيرات سلطانا ومتبعا؛ فإنه، وإن لم يستأهلها بالفضيلة، فكأنه استأهلها قديما للسلطان والمكنة. فيكون بعضهم لا ينقم عليه لأنه في عداد من كان يملك قديما، وإن استحدث؛ وبعضهم لأنه لم يستحدث، بل هو له كالحق. وليس أيضا مبلغ الاستحقاق في الجميع واحدا، ولا كل إنسان مستحقا لكل خير، بل كل إنسان يليق به خير ما، ينقم إن فاته. فإن الناسك غير مستحق للمعتقد جمالا وخيرا من زينة التلبيس والتسلح. وكذلك فإن الاستكثار من السرايا وما يجري مجراه لا يليق بمستطرق اليسار. فإن المستطرف يليق به أن يتشبه بعد بمن حاله حال الفقير إلى أن يؤنس بيساره. وكذلك الحقير لا يسأهل ظفرا بالنبيه، وخصوصا إذا كانا في مذهب واحد. ولهذا صار أمثال هذه الأحوال مما يعد من آثار القدر، وليس من آثار القدر. ولولا ذلك لما استولى العاجز على القادر، ولا استهان مثل المغنى بالناسك. والأمور المنسوبة من هذا الباب إلى القدر اثنان: أحدهما أن يفوز من لا استحقاق له بالخطر العظيم، والثاني أن يقصر المستحق الفاضل عن مستحقه. وإنما تشتد نقمة الناقم على أمثالهما، إذا كان هو نفسه محبا للكرامة. وإن محب الكرامة أنظر إلى الاستئهال، وضده. ولهذا السبب يكون القنوع بالدنية، والمستند إلى المخادعة التي يرجى عيشه بها، ولا يلتفت إلى المذمة، غير ناقم؛ لأنهم لا يلتفتون إلى الاستيجاب. والمحسدون هم الذين أصابهم خير، وهم مع ذلك من جنس الحساد. فإن المباين في الجنس كأنه لا يحسد؛ وكذلك المباين في النسب، أو السن، أو الحرفة، أو المرتبة، أو الثروة. فإنه إذا بعد ما بين الدرجات، نام الحسد. فإن لم يكونوا متساوى الدرج في المعنى الجامع، ولكن كانوا متقاربيها، فإنهم يتحاسدون أيضا. والحاسد هو القاصر عن الغاية، وإن كان مقاربا فيها. ولهذا ما يكثر الحسد من المتمكنين. فإن الذي يعلم، هو أحسد العالم من الذي لا يعلم. والذي يفعل العظائم هو أحسد لمن يفوقه فيها ممن لا ينهض إليها البتة . فإنه لا بد من مشاكلة أو مقاربة. وأشدهم حسدا محبو الكرامة، وبالجملة: محبو الحمد، لما قلناه. وكذلك المتجملون بالرقيق والأموال. فإن التجمل لتحمد. وكذلك في كل شيء مستحسن حسد مرصد، وخصوصا إذا كان المستحسن مما ينزع إليه الحاسد. وأنت تعلم من هذا أنه من المحسود. ولا يحتاج الى تكرير ذكره مما جرى.
وأما الذين لا يحسدهم الناس: فالذاهبون الأولون من القرون، والهالكون، والبعداء في المكان المنقطع عنهم، كالساكنين عند منار هرقلس، فلا يحسدهم أحد من هذه البلاد. والمستقصون جدا، والفائقون جدا، الذين لا يقاربون، بل إنما يحسد من يصلح أن يكون منازعا، ويصلح أن يشارك في الهوى والإرادة. ويكون الخير المحسود عليه مما يتوقعه الحاسد، أو كان له مرة. ولذلك ما كان أكبر الغلامين يحسد أصغرهما إذا أفلح، إذ كان له فيما أفلح حق، وكان له أن يكتسبه. وكذلك المبذر يحسد المصلح. وكذلك الذي لا يدرك الخير إلا بجهده يحسد من تيسر له إدراك الخيرات. وبالجملة: إذا كان يرى نفسه أهلا لمثل ما سبق إلى غيره. فأما إذا تباينت المراتب، لم يكن حسد.
فبهذه الأنواع يقتدر الخطيب على التنقيم، والتحسيد، والتأسيف، والاهتمام، والتسلية، وغير ذلك.
পৃষ্ঠা ২৩০