আল-মানতিক
المنطق
فلنذكر الآن الاهتمام بالغير، وهو قريب من الشفقة أو شغل القلب بالإنسان على سبيل العناية، ومن الذي يهتم له. والاهتمام أذى يعتري الإنسان لشيء مفسد أو حازن يعرض لإنسان آخر من غير استيجاب، ومن غير توقع. والمهتم هو الذي به مثل هذا الأذى لما عرض لإنسان آخر، أو المتصل به من ذلك. وأما الهالكون فلا يهتم لما وقع لهم، لأن ما عرض لهم يبعد أن يقال فيه إنه غير متوقع. وكذلك سعداء البخت لا يهتم لهم، لأنهم لا يظن بهم سوء، ولحوق شر. والذين لا يهتمون، ولا يبالون، فهم المتدربون بمقاساة الشرور للسن، أو لكثرة التجارب. والمخلدون إلى الإقبال وأنفسهم طيبة لا تستوحش لحال. والمشهورون بالاعتلاء والنمو. والمتأدبون الذين يغلب عليهم حسن الظن. والذين جرت الأمور على محاب أسلافهم، وعلى محابهم أنفسهم. والمنفعلون بأعراض الشجاعة، كالغضاب والقساة. وكذلك المستهينون والشتامون، فإنه لا هؤلاء يهتمون، ولا مقابلوهم من الخائفين الأرقاء المكروبين الأشقياء، فإنهم بهم ما يشغلهم عن الاهتمام لغيرهم؛ بل إنما يهتم المتوسطون بين ذلك. ولا يهتم بالخاملين المحتقرين فإنهم في عداد المعدومين. ولذلك فإن الجبابرة لا يهتمون بأحد تقديرا منهم أنه ليس غيرهم أحد. وأما الأسباب التي لأجلها يهتم فقد يوقف عليها من حد الاهتمام. وهذه الأسباب مثل المهلك من العذاب والأوجاع والجهد والكبر والسقم والخصاصة وسوء البخت وعدم الأنصار، وخصوصا إذا طرأ الشر من متوقع منه الخير، وإذا خلا الشر عن خلط الخير، أو يكون الاستمناع بخلطه قد انقرض وقته.
والمهتم لهم هم المعارف والشركاء والحرفاء. فأما من هو من الإنسان كنفسه، وهو الولد، فلا يقال إن الإنسان يهتم للأذى يصيبه، كما لا يقال إنه يهتم للأذى يصيب نفسه. فلا يقال إن الإنسان يشفق على نفسه، ويعتني بنفسه، بل ذلك شدة خوف، لا عناية وشفقة. ولهذا ما حكى عن واحد أنه لم تدمع عينه عند إشفاء ولده على التلف، ورأى صديقا له قد فضحته الفاقة، فبكى له. والشدة تنسي الشفقة، وتسلي عن العناية بالغير. ومن المهتم لهم الأشكال في الأسنان، وهم الأقران، والأشكال في الأخلاق والهمم والمراتب وإيثار الجميل. وكل ما يخاف وقوعه بالإنسان فهو الذي يهمه إذا حل بالإخوان. ولذلك لا يهتم للمتقادم، ولا للمتراخي. وممن يهتم له المتشكل بشكل المظلوم، والمعذب، والممنو والممحون، وإن لم يشاهد ما قدمناه ولا يحقق ما محنته. فإن هيئته تخيل حالته، فيكون المشاهد من هيئته كالمشاهد من حاله. وقد تهم أيضا علامات الآفات إذا دلت على وقوعها، وإن لم تقع بعد. ولهذا المعنى قد يهم امتحان غير المستحق. وكأن هذا الحزن مضاد، أي مقابل مقابلة ما، للحزن الذي يعتري للنجح بلا استحقاق، وهو الذي يسمى في هذا الكتاب جزعا، وإن لم يكن تضادا حقيقيا.
فإن مصدر كل واحد منهما عن خلق كريم. والجامع من ذلك صيرورة كل منهما إلى غير مستحقه من خير أو شر. ووقوع ما لا يستحق يغم بالحق، وأما إذا لم يكن لذلك سبب معلوم، بل كان واقعا على مجرى للقضاء والقدر، فالحزن في ذلك متوسط. فإنه لا يبعد أن يقول القائل: إنه لم يقض له الخير الذي أتاه عفوا إلا عن استحقاق، ولا قضى عليه الشر الذي أتاه بغتة إلا عن استيجاب، فيقل الحزن لذلك، وإن كان لا يجب زواله دفعة أو جملة. فإن القضاء والقدر ليسا مقصورين على الاستحقاق فقط، وإن كانا موهمين إياه، بل المشهزر أن أمر القضاء والقدر مشكل موكول إلى الله.
পৃষ্ঠা ২২৮