আল-মানতিক
المنطق
ولا يحتاج أن يكرر القول في ذكر ما يشتد الاستحياء منه. وإذ قلنا في الحياء والوقاحة، فلنقل في شكر المنة وكفرانها، فإنه متصل بذلك. والمنة هو الأمر الذي به يسمى الإنسان ممتنا، وهو الأمر النافع الذي إذا وجد من إنسان عند إنسان وجب أن يصير له الإنسان الآخر شاكرا، أو طائعا، أو أكثر شكرا، أو أطوع نفسا. وكل منة: فإما بخدمة، أي بفعل بدني نفاع، وإما بصنيعة، أي بإعطاء جوهر ينتفع به، اللتين لولا المعطي، لما كان الانتفاع به نفسه ممكنا مستطاعا. وإنما يكون مثل هذه الخدمة والصنيعة منة، إذا لم يرد بها غير نفس المصطنع إليه . والمنة العظيمة ما توافي اشتداد الحاجة، أو تكون في وقت تعسر المعونة بمثله فيه؛ أو يكون المان منفردا بالمن به، لم ينشط به غيره؛ أو يكون أول من أنعم، فأنشط غيره، ويكون أكثر إنعاما به. والحاجة، إما مشتهى يشتاق حصوله، أو مشتهى يحزن فراقه، كالمعشوق. وخصوصا ما يشتهى في الشديدة، إما لأنه يدفع الشديدة، وإما لأن الرغبة فيه بحيث لا تسقطها الكآبة والحزن بالشديدة. وموقع المنة عند الممنونين بالفاقة، والمدفوعين إلى الخصاصة أعظم. وكذلك عند الممحونين والمتوارين والمستخفين عن أعداء وأضداد، ولمن يجري مجراهم، وعند من هو أسوأ حالا منهم. وأعظم الناس منا من لم يرد بالإنعام ذكرا، ولا بستر الصنيعة نشرا، فإن ستر الاصطناع تهنئة، كما أن إذاعته تنغيص. فهذا ما يحتج به في توكيد المنة.
ومما يحتج به في إبطالها وتحقيرها أن يقول: ما أردت باصطناعك إلا عرضا استنفعته، وإنك لم تتمم النعمة، وقصرت عن الواجب في مثله عليك، إذ لم تطبق به مفصل الحاجة، وألزمت قبولها عند القنية، فإنك لم تصنع بقصد، بل لاتفاق أو ضرورة، أو لرغبة في مجازاة، أو من غير علم ولا إرادة. فإن ذلك كله مما تتضاءل معه المنة. وإذا كانت من أجل الضرورة، قلت معها المنة. وقد تكون مع الضرورة إرادة، فتكون الإرادة قسرية، وهو أن يلجأ إلى اختيار الإنعام. وقد تكون من غير إرادة فيه، وهو أن يكون المضطر يؤخذ منه ماله، ويبذل غيره، وكذلك تكون مع علم، ومن غير علم.
وهذه الأنواع نافعة في الشكاية والاعتذار. والعلامات المحققة لتهنئة المنة وتأكيدها أن يكون صدورها عن إرادة ومحبة، وأن لا يكون فيها تقصير، وأن لا يكون مثل ذلك قد صدر منهم إلى أعداء الممتن. فإنه إذا اشترك في النمة العدوان معا، دل على ضرورة دعا إلى ذلك الإحسان. وكذلك إذا اصطنع المان مثله إلى عدو نفسه. وكذلك إذا لم يكن أحسن إلى من هو في مثل استحقاق الممنون عليه أو فوقه. فإن ذلك يدل على أن المنة لم تصدر عن سماحة . فإنه لو كان إحسانه إحسان مرتاد للمنة والقربة لما كان حكم العدو فيه حكمه، ولما كان المستحق الآخر يقصر عنه مثله. وكذلك إن كانت المنة مشوبة بشر ينقصها. فحينئذ لا يكون الغرض بالمنة مطابقة الحاجة.
والاعتراف بالمنة يقتضي اعترافا بالحاجة، ولا يعترف أحد بحاجة إلى الشر.
فصل الفصل الرابع في أنواع الاهتمام بالمرء والشفقة عليه والحسد والنقمةوالغيرة والحمية والاستخفاف
পৃষ্ঠা ২২৭