আল-মানতিক
المنطق
فلنتكلم في الخجل وفي الافتضاح وفي أسبابهما: إن الخجل والاستحياء حزن واختلاط بسبب شر يصير به الإنسان مذموما، سواء سلف وقوعه، أو حضر، أو يتوقع. والوقاحة خلق يحتقر معه الإنسان فوات الحمد، ويستهين بانتشار الذم. فتكون الفاضحات هي الشرور التي بهذه الصفة، مثل الفرار من الزحف، والتكشف عن السلاح جبنا، ومثل التعرض للوديعة بالخفر، ومثل ارتكاب الظلم، وكذلك معاشرة الفساق ومداخلتهم في مواضع الريبة، والحرص على المحقرات والإسفاف للدنيات مثل سلب المسكين والنبش عن كفن الميت، والتقتير مع اليسار، ومسئلة المعسرين، والاستسلاف حيث يقبح، ومعارضة المستميح بالاستماحة، ومقابلة المجتدي بالتقاضي، فيتقاضى إذا استميح، ويستميح إذا تقوضي. ومن ذلك المدح للطمع، والذم عند الإخفاق، فيكون متملقا يفرط في نشر فضائل إنسان ما خارجا عن الواجب، ومتظاهرا باغتمام لما يغم الآخر فوق المضمر في النفس. ومن الفضائح الجزع على اليسير من الوجع أو الضر جزع المشايخ، أو الكسالى، أو المتسلطين، أو الضعفاء وكذلك تعيير المحسنين بأفعالهم أو انفعالاتهم، فإن ذلك قبيح وفضول، لأن ذلك علامة صغر النفس. وكذلك مدح النفس بالكذب والصلف وانتحال ما أظهره غيره من أثر، فإن هذا من علامات الزهو. ومن المستهجنين من يجري مجرى هؤلاء، وإن لم يأت مأتاهم. والذي يجري مجراهم هو من يرضى برضاهم، ويدخل في مشورتهم، ويميل إلى عشرتهم. ومن المخازي انفعالات يتلقاها الإنسان في نفسه وذويه بالإذعان، مثل رضى الإنسان بالاستهزاء به ومحاكاته للأمور الخسيسة وتعريضه أعضاءه لمعاملات فاحشة، وصبره على الشر الواقع به بإرادته وغير إرادته، لحرصه وجشعه وتوقعه حلوانا عليه. وكثير من الصبر جبن لا شجاعة، وذلك مثل القعود عن الثأر وما يجري مجراه. ثم الافتضاح أو الخزاية في الجملة فإنه يوهم لفوات الحمد وحلول الذم وانطلاق الألسنة فيه بالذم عند من يعبأ به.
وأما فوت الحمد عند المجانين والصبيان فأمر لا يستحيي منه. فالمستحيي منهم هم الذين يتعجب منهم، أو يتعجبون هم من المستحيي، ومن يؤثر المستحيي أن يكون عجيبا عنده أو مكرما لديه، ويكون معتدا بما يناله من حمده، وذلك من إيثاره تعجبه منه، أو يكون محتاجا إليه، أو يكون مادحا له، أو يكون نظيرا له. فربما توخى من الوجه إلى النظير ما لم يتوخ إلى غيره. أو يكون المستحيي منه حصيفا معروفا بأصالة الرأي، أو شيخا، أو أديبا. وفضح العيان أشد من فضح الأثر، وفضح الجهر أشد من فضح السر. والفضيحة عند الأقربين والمصاحبين أعظم من الفضيحة عند الأبعدين والمهجورين. والفضيحة عند الذين لا يحلون منه محل المقومين والمؤدبين أعظم من الفضيحة عند القائمين مقام المقومين والمؤدبين. فإن الإنسان كالمتكشف لمن لا يحله محل المؤدب، ولمن استرسل إليه، وكالمنقبض عمن يحله ذلك المحل، ولا يبوح إليه بنيات صدره وخفيات سره، ويكره أن يقف هو على خطائه، صرح له به، أو لم يصرح، كان ذلك حقا، أو كان باطلا، بعد أن يكون هناك توهم. وليس كل ذي معرفة يسترسل إليه، فكثير من المتعرفين بالمودة هم قاعدون للعثرات بالمرصد، وموكلون باستقراء المساوئ. والفضيحة عند أمثالهم أعظم فضيحة. وأمثال هؤلاء، فليس إنما يستحيي منهم لأنهم في أنفسهم أهل الاستحياء، بل لإذاعتهم ما يستحيي منه، حتى يبلغ من يستحيي منهم. وهؤلاء هم المستهزئون بالصداقات، والمشاجرون للمعارف. وقد يستحيي ممن لم يزل معظما للإنسان، لم يمتهنه باستهانة، كما يستحيي من المتعجب من الإنسان، ومن المرغوب في استئناف صداقته واستمداد مواصلته، ومن الذي سيصار إلى الإلتقاء به. والمعارف القدماء الذين لم يستعثروا الإنسان فيما سلف. وليس إنما يستحيي فقط من العمل الفاضح والكسب الفاحش، بل من دلائله وعلاماته، بل ومن النطق به.
وأما من لا يستحيي منه فالخلص من الإخوان، والمستخف بهم من الغاغة المجرون مجرى البهائم والأطفال، والغرباء الذين لا معرفة بينهم. فإن الاستحياء من المعارف بالحقيقة، ومن الأجانب على سبيل الظن.
পৃষ্ঠা ২২৬