আল-মানতিক
المنطق
وقد يتطلف في المدح على سبيل كالمغالطة، فيعبر عن الخسيسة بغبارة تجلوها في معرض الفضيلة، إذا كانت أقرب الخسيستين المتضادتين من الفضيلة، أو قد كان يلزمها والفضيلة شيء واحد يعمهما. وهذا مما يضطر إليه الخطيب إذا أحوج إلى مدح الناقصين، فجعل الشيء الذي تشارك به الفضيلة الخسيسة مشاركة ما مكان نفس الفضيلة. فيقال للحريز إنه حسن المشورة، وللفاسق إنه لطيف العشرة، وللغبي إنه حليم، وللغضوب القطوب إنه نبيل ذو سمت، وللأبله المغفل عن اللذات إنه عفيف، وللمتهور إنه شجاع، وللماجن إنه ظريف، وللمبذر في الشهوات إنه سخي. ومن الممادح الانخداع والغلط في صغار الأمور، فإنه يدل على قلة الخوف، فإن الخوف هو الملجئ إلى الاحتياط في الفكر، ويدل على قلة الالتفات إلى مراقبة فوت ما يضن به. وقد يمدح أيضا بالبراءة عن الانخداع أصلا لشدة الفطنة. ومن الممادح الإذلال إلى الصديق والعدو. وإن كان من الممادح أيضا تخصيص الأصدقاء بالإحسان والإسداء. وأيضا فإن الخطيب يجب أن يعلم موضع مدح الممدوح حتى يمدحه بما يلائم ذلك الموضع، فلا يأمن من أن يكون الممدوح به في موضع مذمة في موضع آخر، بل يجب أن يعلم الممادح بحسب البلاد والأمم والملل. ومن الممادح ذكر السلف الصالح والآثار التي خلدوها، خصوصا إذا تشبه بهم الخلف فاستوجب مزيد مدح وكرامة من تلقاء نفسه، وإن قصر عن شأو سلفه، أو كان ما يكسبه أقل مما كان ينبغي أن ينحو نحوه من الخير والفضيلة، كالإنسان المتوسط في همته، أو كان ما يكسبه أقل مما كان ينبغي، فإذا أنجح، اقتنع فلم يمعن. والكبير الهمة كلما أمعن في الإنجاح، أمعن في استئناف الجد نحو إدراك ما هو أعلى، وصار أحرص على اقتناء المآثر المستصعبة. ومثل هذا الإنسان لا يقتصر على الشرف الموروث، بل يستخف به، وينشط لادخار الحسب والشرف المكتسب، ويقل افتخاره بآبائه، وربما ارتقى بأفعاله إلى درجة تفوق درجة قبيلته، كما قال بعض الناس في مديح سوسدس مخاطبا أباء وإخوانه: إنه اليوم في الساطورانس. كأن الساطورانس قبيلة أشرف من اليونانيين.
পৃষ্ঠা ২০৬