আল-মানতিক
المنطق
وأما ما سواها من الممادح ففاعلات الفضائل والعلامات التي تدل على الفضائل، مثل الأنداب على الشجاع. وكذلك الانفعالات التي تلحق العادلين، لإذا لزموا العدل ولم يجنبوا إلى الجور، كالمستودع إذا شدد عليه العذاب في انتزاع ما هو في يديه، فاحتمل، وأبى أن يسلم الوديعة إلا إلى ربها. وأما الانفعالات التي يستحقونها عدلا، فهي وإن كانت خيرا في نفسها وواجبات، إذ كل فعل يصدر عن عدل فهو واجب وخير، فإنها من حيث هي آلام صرفة تجلب ضيما وخسرانا فقط بلا زيادة أخرى فليست خيرات وممادح لمن تقع بهم. وإن كانت باستحقاق عن سوء سيرة، فهي مذام. وأما في الباب الأول فقد كان الألم، وإن كان من حيث هو ألم، شرا ينقضي أثره، فهو من حيث يدل على فضيلة النفس وإيثار العدل مكرمة ومحمدة، وربما خلد ذكرها. وقد يمكن أن يصدر عن الشجاع فعل لا يصدر إلا عن شجاع، أو يلحقه انفعال لا يكون إلا للشجاع؛ وكذلك قد يصدر عن السخي فعل وانفعال لا يصدران إلا عن سخي؛ ولكنه لا يكون محمودا، إذا كان خارجا عن مقتضى العدل. ومن آثار الفضائل ما هو أكرم وأحسن. فإن الشجاع إذا جوزي بالكرامة، كان هذا أقرب إلى استحقاق المدح به من أن يجزى بالمال. وأدل أفعال الفضائل على استيجاب المدح ما فعل لا لجذب منفعة إلى الفاعل، بل لأجل غيره، أو لأنه خير لنفسه. إذ هو خير عام له ولغيره. ولهذا يمدح من يتعهد الموتى بالصدقات، لأن هذا النوع من الإحسان لا يبتغي به جزاء. ثم ما أريد به نفع الآخرين من حيث هو خير لهم، وليس لهم فيه غرض. ويفارق ما قبله أن ذلك كان الإيثار متجها فيه إليه لأنه خير فقط، وهذا لأنه خير للآخرين؛ وهذا قد يبتغى عليه جزاء، والأول لا يبتغي عليه جزاء. وبعد هذا ما يراد به الإحسان إلى المحسنين خاصة. فإن كان مكافأة فإنه من حيث يكافئ فاعلها لا يرتاد لنفسه خيرا إلا بالعرض من حيث هو مكافئ متوقع لا مكافئ فقط. وأما المكافئ، من حيث هو مكافئ، فقد حصل الخير وأحرزه، وليس يتوقعه حين يكافئ. ومن علامات الفضيلة والممادح أجزاء من تنابذ الفضيلة وتضادها وتخجيله. فإنهم كثيرا ما يبتدئون بأقوال وأفعال من الفواحش يريدون بها فضح غيرهم فيفتضحون لفضيلة في ذلك الغير يصدر عنه حسن المعاملة لأجله. مثل ما فعلت سفا الحكيمة، حين رمز إليها القاوس المتغلب، فعرض عن فاحشة قائلا: إني أريد أن أنفث عن صدري بشيء، لكن الحياء والاحتشام يصدني عنه. فاستقرت هذه الحكيمة على جملة أمرها وديعة لم تقابله بالفحشاء من القول، والهجر من السب، مستحيية من مفارقة طريقة الحكمة، ومن إظهار التنبه لمعنى الفاحشة، كأنها لا يخطر ببالها أن أحدا يعرضها لطمع سوء، ويعترض لها بدعوة إلى فاحشة، ويضرب لها مثلا بمنكر، أو يجري عليها المعاني التي تجري على غيرها. لكنها كانت مصروفة الشغل إلى نصرة الهيئة والملكة الفاضلة، تترك الفعل الرذل، وكذلك من كان معها من النسوة الحصر لا يجزعن ولا يخفن من وقوع مثل ذلك بها ثقة بشرف نفسها، واعتلائها عن طاعة غير الواجب، وكمال فعلها في طاعة فضيلتها، وقلة انفعالها عن الرذائل، صار كل ذلك صادرا عن ملكة حصلت بالارتياض والاجتهاد. فإن الفضائل جلها مباين للهوى، ويكتسب بالمجاهدة إيثارا للمجد والفخر في تنميتها. وتنميتها بالعقل على الهوى، مثل ما سمعت من قصة الرجل والمرأة. والاستحياء أيضا قد يؤهل للمدح ولكن دون تأهيل حالة سفا. والاستحياء أيضا قد يكون لشيئين: أحدهما لاشمئزاز النفس عن الحالة الشنعاء، وهذا يصدر عن فضيلة؛ والثاني لنظرته ذكر فاحشة عرف بها المستحيي، وقد نسيت في الحال. فإذا لفظ بلفظ يشير إلى معناها، أو فعل مثلها، خطرت بالبال من الحاضرين، وهو من أهلها، فخطر بالبال صنيعه، فصار كالمشاهدة منهم له، الموجبة للاستحياء، إلا من البالغ في الرذيلة والسقوط فلا يستحيي من انكشاف مذمته. ومن الممادح أفعال يفعلها الإنسان ليصلح بها حال آخرين. وأيضا الانتقام من الأعداء، وقلة الإذعان لهم، والجزاء على الحسنة والسيئة. وأن يكون الشجاع مغلبا لا يغلب. فإن الغلبة والكرامة من ممادح الشجعان. وأن يفعل أفعالا تنشر وتذكر، وتكون لعظمتها مما يسهل تخليدها، فيتوارثها الأعقاب. ومن الممدوحات علامات تختص بالأشراف، كإسبال العلوية شعورهم، فإنه من دلائل شرفهم. ومن الممدوحات الاستغناء عن الآخرين في أي باب كان.
পৃষ্ঠা ২০৫