আল-মানতিক
المنطق
ومن الحيل في الاستقراء أن تأخذ جزئيات كالمتسلم تحصيها إحصاء، فلا توقع فيها الشك بالسؤال عنها معرضا إياها للإنكار، فيمتنع حينئذ نقل الحكم عنها إلى الشكل، فتسوهم السامعين بترك السؤال عنها أنها مما قد سلمت عند الجمهور لا محالة، وإن سئل عنها فأعطيت فليس من الصواب أن ترجع فتسأل عن المقدمة الكلية التي هي كالنتيجة لها، فتعرضها للتشكيك، وتجعل سعيه في تسليم الجزئيات كالباطل، لأنه إذا سأل عن النتيجة، أوهم أن ذلك لم يغن، بل المجيب والسامعون قد يتصورون أنه إنما سأل عنها لأمر، وأن ذلك الأمر واجب، وأن ذلك الواجب هو الإنتاج. وكثيرا ما لا يلفظ باسم الكلي، بل ينقل الحكم إلى الشبيه للمستقريات، كأنه لو ذكر الكلي يذكر النقيض؛ ولا شيء في التضليل كالأمثلة، وربما كان الأنفع لهم أن يذكروا الكل، فإن ذلك أشد إيضاحا، وذلك عندما راموا النقيض أن لا يذكروا في السؤال طرفا واحدا بعينه، بل أن يذكروا الطرفين جميعا على سبيل التضاد، محتالين لرد التضاد فيسلم الطرف المطلوب. ولو ذكر على سبيل النقيض لم يكن يستشنع، كما يسألون: " هل يجب أن يطاع الآباء في كل شيء، أو الأصوب أن لا يطاعوا في كل شيء " ؛ على أن معناه: في كل شيء لا يطاعوا. و " هل الأصوب أن يعصوا في كل شيء أو أن لا يعصوا ولا في شيء " فإذا استصوب أن لا يطاعوا في كل شيء، وأن يعصوا في كل شيء، سلم الآخر. وكما يسأل سائل: " هل يجب أن يهجر الشراب كثيره أو قليله؟ " فيوهم هذا أنه يجب أن يجاب عن أحدهما، والأقسام أكثر من ذلك وإذا كان قسم المقدمة بحال قبح أو حمد صارت المقدمة بحسبها أوضح حمدا أو قبحا مما أورد.
وربما تكلموا بكلام غير مناسب، ثم أوردوا شيئا كالنتيجة المفروغ منها، وكأنهم قطعوا الخصم، وفصلوا المر، وكأنه قد مضى الأمر ولا كلام بعد. وإذا سألوا ليتسلموا شيئا لينفعهم في مطلوبهم، احتالوا: فإن سلم لهم مرادهم ساقوا إلى المحال؛ وإن لم يسلم بالحقيقة عملوا أحد أمرين: إما أن يظهروا أنه قد سلم بأن يحرفوه، فيتسلم المحرف، ويوهموا أنهم تسلموا الآخر؛ وإما أن يشنعوا بأن المجيب قد خالف المشهور، وسلم الشنع.
ويستعملون أيضا الاستدراجات التي تذكر في الخطابة من باب الاضداد، والمتشابهات المشهورة في بادي الرأي أنها كذلك، وما هي ذات شروط يختلف بها الحكم، فيتسلمها مطلقة، وما يجري مجراها في عمود الكلام، أو في مدحه، وفي المقدمات أو في ترتيبها واستعمالها. والمجيب إذا انتقل كأنه سائل، وحاول في ذلك ضربا من التلطف، أمكن أن يغالط أيضا السائل إذا أخذ يبكته بأنه لا يلزمه، إذ هو كالسائل.
ومما ينتفع به السائل المغالط أن يطوي المسافة بين ابتداء كلامه وبين الإنتاج، وبين ما يقرب من النتيجة وبين النتيجة - إن كانت الوسائط كثيرة - وينتج معاجلا غير حافظ للنظام، لئلا يفطن كيفية الإنتاج فيتحير السامع، ولا يعرف ماذا ينبغي أن ينكر. وربما احتاج إلى أن يخلط بالكلام ما ليس له فيه غناء لإخفاء النتيجة، أو الغناء فيه خفي غير جلي، وآجل غير عاجل. فأما إذا كان المخاطب شديد البحث عن مقدمة مقدمة، فليس يمكن خلط الكلام معه إلا بعلة تنشأ وعذر يخترع؛ فإذا أنشئ ذلك فربما تمكن من استدراجه إلى الإصغاء إليه، فاختلط الكلام عليه، ولم يفطن للحيلة، وخفيت النتيجة. وربما انحرفوا إلى نقيض المطلوب فيثبتونه لرفع المطلوب، أو يرفعونه لوضع المطلوب؛ وربما انحرفوا عن طريق المسألة، بل أوردوا الكلام القياسي متصلا بالنتيجة كأنه ظاهر لا يحتاج إلى التسلم؛ وهذا هو الرسم في زماننا هذا عند المشاغبة الذين يسمون متكلمين. فهذه هي حيل السائلين، وينتفع بها جميع من يقيس قياس العناد.
পৃষ্ঠা ১৬৬