আল-মানতিক
المنطق
وأما التشنيع الذي يقود المتكلم إلى هذر بالتكرير فالسبب فيه أنهم يقولون مثلا: لا فرق بين مقتضى الاسم وحده ورسمه، وبين مقتضى الاسم مأخوذا مع شيء آخر، حتى يكون مجموعها على هيئة قول؛ فيأخذونهما كشيء واحد، فمن ذلك ما يعرض لهم في الأمور الإضافية. وكما يقول قائلهم: " أليس الضعف ضعفا للنصف، فالنصف له ضعف، فيكون الضعف إذن ضعف ما له ضعف - وهذا هذيان - فإذن ليس الضعف ضعفا للنصف. وإنما وقع هذا لأنه لم يعلم أن الهذيان غير الباطل، وأن الهذيان يجعل ما يلزم عنه هذيانا مثله لا باطلا. وقولنا: " الضعف ضعف النصف " هو هذيان، من حيث نريد إعلام مجهول، فإنه لا ضعف إلا ضعف النصف، ولا يفهم إلا كذلك. فإذا كنا فهمنا الضعف لم تكن لنا فائدة في أن نقول إنه ضعف النصف. وأما إذا أردنا أن نخبر عن الحق كما هو من غير أن نقصد الفائدة، فيكون هذا حقا؛ وهذا كمن يقول: " إن الإنسان إنسان أم لا؟ فإن كان إنسانا فقد هذيتم أن الإنسان إنسان، وإن لم يكن إنسانا كذبتم " . فإنا نقول: إذا كررنا شيئا هذينا ضرورة، لكن لم نقل باطلا. والسبب في هذا الهذيان أن السؤال في نفسه هذيان، إذ المحمول فيه هو الموضوع، وإنما السؤال سؤال من جهة ما يلزم تسليم أحد طرفيه، وذلك باعتبار حال الحق في نفسه، لا باعتبار فائدة أو غيرها، فإذا تركت الفائدة وراجعت حال الحق في نفسه كان الجواب حقا. والتكرير إنما يقبح في الحدود في قول قياسي مبتدأ. وأما الذي يلزم بحسب القسمة، فموجبه والداعي إليه وهو السؤال أقبح منه. وأما إن ظنوا أن هذا التكرير واجب، لم تقع إليه ضرورة بحسب السؤال، بل بحسب المضاف، يكون حلا لهذه الدعوى. وقد يلزمون مثل هذا في التكرير في الحدود، فمن ذلك ما هو على سبيل المغالطة، ومن ذلك ما هو على سبيل الوجوب؛ أما الذي على سبيل المغالطة فمثل قول القائل على من قال " إن الشهوة شوق إلى اللذيذ " بأن يقول: " والشوق نفسه هو إلى اللذيذ " ، كانه يقول: " إن الشهوة هي شيء لأجل اللذيذ " . والمغالطة في هذا أن الشوق قد يكون إلى غير اللذيذ بل يكون إلى الغلبة، وإلى الجميل، وإن خالف اللذيذ. أما الذي على سبيل الوجوب فإذا كان شيء يؤخذ في حده الموضوع، وأخذ الموضوع معه، وأريد أن يحد، مثل العدد الفرد إذا أريد أن يحد من حيث هو مركب من عدد ومن فرد، والفرد حده أنه عدد له وسط، فيكون العدد الفرد عددا هو عدد ذو وسط، فيكون قد كرر العدد مرتين. وكذلك: الأفطس أنف فيه تقعير في الأنف، لأن الفطوسة تقعير في الأنف، فيكون قد قيل الأنف مرتين، وخصوصا إذا أخذ الأنف الأفطس بأنه أنف هو انف فيه تقعير في الأنف. وقد يرجع برده التفتيش إلى جزء من السؤال، فإنه إن كان الأفطس أنفا ذا تقعير، فيجب أن لايقال أنف أفطس، كما لا يقال إنسان حيوان، وشرح اسم المكرر مكررا. وإن عنى بالأفطس صاحب أنف فيه تقعير لم يجز أن يقال أنف، بل أنف الفطس. وقد قيل في أمثال هذا في الفلسفة الأولى ما فيه الكفاية. لكن مع هذا كله فإن اللفظ المفرد لا يلزمه من الشناعة ما إذا ركب التركيب الذي ذكرناه، ويكون السبب في ذلك التركيب ما بيناه.
واما الإعجام فذلك بسبب التغليط باختلاف أحوال اللفظ من حيث التذكير والتأنيث، وتوسط - إن كان - في بعض اللغات، والتشديد والتخفيف، والمد والقصر، وأحوال من عوارض اللفظ، ومن اشتراك أجزائه وتصاريفه بين ما هو موضوع له بالحقيقة، وبين ما هو مخالف له، على ما علمت.
الفصل الثالث (ج) فصل في حل المغالطيين وكيفية التمكن من الحل وكيفية مقاوماتهم
وهذه المضللات قد تستعمل للمغالطة، وقد تستعمل في مخاطبة العناد، على ما عرفتها، وقد تعين في التضليل بأن يأتي مستعملها للترتيب الأنفع في ذلك كما أن المواضع الجدلية قد يعينها الترتيب المذكور وحسن التصرف في استعمالها معونة شديدة على بلوغ الغرض في الجدل؛ فمن ذلك التطويل حتى يختلط الكلام، وتنسى مواضع الحل، وتتباعد أجزاء القول بعضها من بعض، فتخفى توجهها إلى المطلوب. ومن ذلك الاستعجال والإيجاز حتى يسبق زمان العبارة زمان جودة التأمل والروية. ومن ذلك التغضيب بالتشنيع حتى يغلب الانفعال النفساني قوة الفكرة فيشغلها عن التنبه للزلة. وجميع ذلك يعين على أن لا تحصر جميع المقدمات في الذهن، وإن حصرت غفل عن جهة تأديتها إلى النتيجة.
وأقوى أسباب الإسخاط التوقح بإعلان الجور، والتصريح بأنك لم تحسن أن تجيب، وأن تتكلم ألبتة. ومن ذلك تغيير الترتيب والوضع لإخفاء النتيجة؛ ومن ذلك خلط حجة بحجة، وقول بقول، وإيهام أنه يروم إنتاج المتضادين، وأنه ينتفع بتسليم كلا طرفي النقيض، فيحير المجيب فيما يجمع عليه، وفيما يعرض على ذهنه من المتقابلات حتى تتداخل، فلا يكاد يفهم أي طرفي الضدين يقصد بالقول. ومن ذلك أن يسأل المتصعب، المتمنع، العظيم الدعوى، المتكلم من سؤال التأريب والتورية، فلا يسأل عن الذي يؤثر تسليمه، بل يسأل عن مقابله تعريضا إياه للإنكار، فيتسلم المطلوب، فلا يقول مثلا: " هل العلم بالمتضادات واحد " ؟ ولا يقول أيضا: " أليس العلم بالمتضادات واحدا " ؟ فإنه إذا سأل هكذا كان كأنه أعرض عن ذلك الآخر، وجعله غير ملتفت إليه ولامعلوم، فكان التعسر في بابه أقل. وبعد ذلك أن يسأل عن الطرفين غير موهم أنه إلى أحدهما أميل، بل كأنه غير مبال بأيهما سلم. وإذا لم يعلم غرضه، لم يتصعب، ولم يتعسر في الذي هو غرضه إلا قليلا.
পৃষ্ঠা ১৬৫