আল-মানতিক
المنطق
ونسبة المشاغبي إلى الجدلى هي نسبة المغالطي الذي يورد مثلا الخطوط على ما ينبغي في عمل هندسي، مثل أبقراط المذكور إلى الحكيم الهندسي، إلا أنه لا يسمى مشاغبيا إذا حفظ قانون الصناعة، لأنه ليس يأتي بالأمور العامة، بل بالأمور الخاصة بالصناعة. وإذ هو في الإتيان بها إن أصاب لم يكن جدليا، فكذلك في الخطأ فيها لا يكون مشاغبيا. وأما أنطيفون فهو مشاغبي، وكذلك الكلام المنسوب إلى زينون يستعمله ليبين أن الحركة بعد الطعام عشاء نافعة، أو ليبين بقوله أن الحركة بعد العشاء نافعة غرضا ما له. وإن كان بعض المشاغبة أقرب إلى الجميل من بعضها، فإن خطأ أنطيفون في ذلك أقرب الى العذر من خطأ من قال إن الحركة بعد العشاء واجبة لحفظ الصحة اتباعا لقانون زينون فإن خطأه من قبل الأمور العامة المشهورة لا من قبل الأمور الخاصة بصناعة المنطق وذلك لأن الكذب في أن الحركة بعد الطعام نافعة أظهر للجمهور من الكذب بأن الخط المستدير لا يتألف من نقط، أو من قطع صغار من المستقيمات. وكما أن الجدلى ليس يختص بموضوع محدود، وكذلك المشاغبي والسوفسطائي؛ والبرهاني هو الذي يختص بموضوع ما. والجدلى أيضا ليس حكمه حكم الصناعة الكلية البرهانية التي هي الفلسفة، فإن تلك تبرهن، والجدلى لا يبرهن؛ وذلك لأن الجدلى ليس عمومه كعموم الفيلسوف الأول، وذلك لأن الفيلسوف الأول ليس عمومه بأن يتكلم في أي شيء كان، بل عمومه لأن موضوعه - وهو الموجود بما هو موجود - أعم من كل شيء. والجدلى ليس عمومه بأن له موضوعا ذلك الموضوع واحد عام، بل عمومه بأن كل شيء موضوعه ويتكلم فيه من الأمور المشتركة. وليس شيء من الصنائع البرهانية جزئيتها وكليتها مبنيا على السؤال، فإن السؤال للتسلم، والتسلم بعد التسليم، والتسليم على الاختيار، فالسائل إما أن ينتفع بكل ما يسلم له، أو لا تكون له فائدة من السؤال. وأما المبرهن فيبني على الحق، وتكون له في كل نوع من النظر مباد معينة، إذ ليس كل شيء نافعا له. والذي ينفع في كل صناعة أمور معينة هي الأصول فيها، وإذا لم يستعمل النافع فيها، ومن جحدها فقد امتنعت مناظرته بالمبني عليها، ولم يمكن صاحب الصناعة محاورته فيها.
وأما الجدل، فكيف تكون له مباد محدودة؟ وإنما له ما يتسلمه، وما يكون مشهورا، مناسبا كان أو غير مناسب. والمشهور فقد يتبدل، ثم قد تجتمع الشهرة في طرفي النقيض، على نحو ما مر لك ذكره فيما سلف.
والجدلى إذا لم يسلم له المبدأ الموافق للشيء، تحير، فلم ينتفع به؛ وكذلك الصناعة الامتحانية، إذ هي مبنية على التسلم، وليس لها من حيث هي امتحانية أيضا موضوع محدود - إذ هي والجدلية على منهاج واحد - لكن الجدلية أعم اعتبارا منها، كما مضى لك.
وبالجملة فإن الصناعة الجدلية والامتحانية ليستا يتحددان بأن لهما موضوعا، بل بسلب الموضوع، وأن ليس لهما موضوع. ولكونهما غير محدودي المبادئ والأغراض معا، صار العامي أيضا يجادل وبنازع، وربما ظن أنه يمتحن.
الفصل الثاني (ب) فصل في شرح أجزاء الصناعة المشاغبية
قد كنا تقدمنا فجعلنا أجزاء الصناعة المغالطية خمسة، وفرغنا من شرح القول في واحد منها وهو التبكيت السوفسطائي، فينبغي أن ننتقل إلى سائر الأقسام، فكان الذي يلي القسم المذكور وهو: التشنيع برد القول إلى كاذب وإلى شنع. وينبغي أن نتكلم في أسبابه، فنقول: إنهم إنما يتمكنون من إناج ذلك بأن يكون ما سألوه وسلموه غير محصل ولا محدود، وأن يجمعوا مسائل في مسألة واحدة بالفعل؛ ولعله أن تكون المسائل كثيرة في الحقيقة، وإن كانت واحدة بالظاهر وبالفعل. وكذلك أن يخلوا بشرط النقيض، أو غير ذلك مما يتوصل به إلى أن يكون الجواب مشوشا غير مفصل، فتلوح لهم الطرق إلى التشنيع. وبالجملة فإنما يتيسر لهم هذا باحتيالهم في تسليم شيء متفرع متشعب على جملته، فإذا عاد المجيب كالمتعلم المستفهم، وواقف واستفصل لم يمكنهم الإمعان في هذه المغالطة. ويجب أن نفعل هذا في أول الأمر، وحين نضع ونسلم، لا حين نقرب من الخلف، وعندما شورف رفع الكلام عليه. وقد بينا في الجدل أن ذلك كيف يكون جيدا، وكيف لا يكون جيدا.
وكثيرا ما يحتالون عندما يحقق عليهم المجيب، أو يخرج جوابا مخرج ما لا ينفعهم بتهذيته، تركوه، وانتقلوا إلى سؤال آخر، كأنهم يستفهمون، حتى يجدوا مهلة فكر وموضع تعلق.
পৃষ্ঠা ১৬২