আল-মানতিক
المنطق
والقياس المشاغبي الذي الغرض فيه الغلبة بغير الواجب والقياس السوفسطائي الذي الغرض فيه اظهار الحكمة وفضل البيان. والمرائي والسوفسطائي يسعملان المشبهات بالمقدمات العلمية والخاصية التي جرى حدودها مجرى ما ليس خارجا عن الصناعة. فيجب أن يكون الشغل مصروفا إلى أن يعلم: ما القياس الحق؟ وما المظنون؟ فهذه الاشياء إنما ينحو بها المعلم الأول نحو إبانة أن الرجل الذي يدعي أنه معلمه لم يحسن الكلام في المنطق على الوجه الذي يجب ولا بين وجوه المغالطات البيان الذي ينبغي. وقد صدق: فإن معلمه قليل الإجداء فيما يصنعه ويضعه في العلوم المنطقية والنظرية؛ فإن أجدى شيئا فعسى أن يكون ما عمله في العمليات، وكان العلم لم يكن نضيجا في زمانه، بل كان أوهاما معدة لمن يزيد عليها بالتهذيب كالمعلم الأول.
وليس في معرفة القياس المطلق أيضا كفاية في أن نعلم حقيقة أصناف التضليلات، بل بنا حاجة أيضا أن نعلم فصلا أخص من ذلك، وهو أن نعلم القياس البرهاني المناسب، والقياس الخارجي الجدلي المأخوذ من غير المناسبات، بل من المشهورات؛ فإنه وإن كان قد يتألف منه ما ينتج الحق، فإنه إذا لم يكن على سبيل التسليم والتسلم والمجادلة على سبيل التبيين عاد مغالطيا، مثل قياس بروسن في تربيع الدائرة، وقد حكيناه في كتاب البرهان.
ثم بعد ذلك نعلم أيضا التضليل: منه ما يكون خارجا مقابلا للجدلي وهو التضليل المشاغبي، كما فعل رجل يقال له أنطيفون في تربيعه الدائرة، فإنه قال: " لا نزال نداخل المربعات بعضها في بعض إلى أن نستوفي بنقط زوايا أو بأجزاء من أضلاعها مساحة المحيط، فنكون عندئذ قد مسحنا الدائرة " ؛ فخالف الموضوعات لصناعة الهندسة والمباديء الأولى لها، وخرج عنها، إذ وضع الخط مؤلفا من النقط، أو ظن أن أجزاء المسقيمات تنطبق على المستديرة.
ومنه ما يكون مناسبا، ويكون الغلط واقعا بعد حفظ أصول الصناعة ومباديها، وأن ما وقع ليس لمخالفتها، بل لسوء استعمالها والبناء عليها مثل تربيع رجل يقال له " أبقراط " ، فإنه فصل شكلا هلاليا - وهو قطع من قطوع الدائرة يساوي مثلثا - وقد ساوى مربعا، ثم ظن أنه إذا قسم الدائرة بهلاليا يؤدي آخر الأمر الى أن يحصل لجملتها مساحة مساوية لمساحة مثلثات هي مساوية لمربع، وخفى عليه أن الدائرة لا تنقسم على تلك الهلاليات.
والمشاغبة دور ما يتكلفه خصم من خصوم المحاورة ينحو نحو الغلبة.
ومن قصد الغلبة نفسها توجه إليها خبط العشواء فقرع كل باب.
ومن الناس من يغالط ليس للغلبة بل ليظن به الحكمة. وفرق بين الأمرين: فإنه لما كان الذي يريد الغلبة يعترف بأنه إنما تغلب على غير الحق لشدة قوته، وربما كان افتخاره بأن يغلب على الحق؛ لأن الحق ناصر، والباطل خاذل، ومن غلب ومعه ناصر، أضعف حالا ممن غلب ومعه خاذل. فالأولى أن يسمى طالب الغلبة كيف اتفقت مشاغبيا، وأن يسمى المتظاهر بالمعرفة وليست له مغالطيا سوفسطائيا.
وبالجملة إذا شبه الكلام بالقياس الجدلي ولم يكن جدليا بالحقيقة، كان القياس مشاغبيا، وإذا شبه بالحكمى ولم يكن حكيما، كان القياس مغالطيا.
পৃষ্ঠা ১৬১